خيرالله خيرالله / مشاكل العراق لا تزال في بدايتها
1 يناير 1970
05:06 م
تبدو مشاكل العراق أكثر تعقيداً من أي وقت في ضوء القرار الذي اتخذته الحكومة برئاسة السيد نوري المالكي والقاضي بالسيطرة بالقوة على معسكر «أشرف» التابع لحركة «مجاهدي خلق» الإيرانية المعارضة. يطرح القرار تساؤلات كثيرة... في مقدم التساؤلات مدى النفوذ الإيراني في العراق وعمق التغلغل فيه. فما لا يمكن تجاهله أن القرار العراقي جاء في وقت ركزت السلطات الإيرانية على الدور الذي لعبته «مجاهدي خلق» في الاضطرابات التي شهدتها ولا تزال تشهدها طهران ومدن إيرانية أخرى منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي فاز فيها الرئيس محمود أحمدي نجاد، أقله من وجهة النظر الرسمية.
من الضروري التأكيد، قبل الخوض في النتائج المترتبة على القرار العراقي والأبعاد المرتبطة به، أن المعسكر يقع على الأرض العراقية وهو من مخلفات عهد نظام صدّام حسين العائلي- «البعثي» الذي أدخل العراق في متاهات لا يزال البلد يدفع ثمنها حتى الآن. في مقدم هذه المتاهات المغامرة المجنونة التي تمثلت باحتلال الكويت صيف العام 1990 وهي مغامرة جلبت الويلات على العراق والعراقيين وأنهت النظام نفسه.
مجرد وجود المعسكر على الأرض العراقية يعني أن من المفترض أن يكون تحت سيادة الدولة، وألا يكون بمثابة جزيرة أمنية في العراق. لا يمكن لأي دولة في العالم، تحترم نفسها بعض الشيء، القبول بالجزر الأمنية على أرضها، وجود الجزر الأمنية، أياً يكن نوع العناصر المقيمة فيها، يتعارض مع مبدأ السيادة كما يعتبر مؤشراً إلى بداية تفتت السيادة. يظل لبنان أفضل مثل على ذلك. بدأ انهيار مؤسسات الدولة اللبنانية، كل المؤسسات، لدى توقيع «اتفاق القاهرة» في العام 1969 من القرن الماضي، وضع هذا الاتفاق المخيمات الفلسطينية خارج سلطة الدولة اللبنانية بحجة أن «المقاومة» في حاجة إلى حماية نفسها، ومع الوقت تكرّس هذا المبدأ وباتت الجزر الأمنية قاعدة معمولا بها في لبنان بحجة «المقاومة» وما شابه ذلك من مبررات لا تصب في نهاية المطاف سوى في خدمة إسرائيل.
من هذا المنطلق، يمكن القول من حيث المبدأ ان الحكومة العراقية على حق عندما يتعلق الأمر بوجود معسكر يضم عناصر معادية للنظام في إيران وغير إيران. لا مصلحة لأي حكومة عراقية في أن تكون هناك قاعدة عسكرية تستخدم نقطة انطلاق للمعارضة الإيرانية، خصوصاً أن منظمة «مجاهدي خلق» تعتبر في نظر دول عدة بما فيها الولايات المتحدة «منظمة إرهابية». ولكن يظل السؤال الأساسي لماذا الآن، لماذا الهجوم على المعسكر بهذه الطريقة الوحشية بدل العمل بالاتفاق مع الأميركيين الذين ما زالوا يحتفظون بما يزيد على مئة وثلاثين ألف جندي في الأراضي العراقية على إيجاد مخرج ما يحفظ ماء الوجه لحكومة المالكي؟
ظهرت الحكومة العراقية بعد الهجوم الذي تعرض له المعسكر وكأنها تنفذ تعليمات إيرانية لا أكثر. لماذا لم يساعد الأميركيون العراقيين في تفادي الوصول إلى الوضع الراهن، علماً بأن مسألة مستقبل الوجود العسكري لـ «مجاهدي خلق» في العراق مطروحة منذ اليوم الأول للاحتلال الأميركي لهذا البلد في إبريل من العام 2003، أي منذ ما يزيد على ستة أعوام.
لم يكن تصرف الحكومة العراقية مستغرباً، كان التصرف طبيعياً بكل معنى الكلمة. كل ما في الأمر، أن إيران كانت المنتصر الوحيد من الحرب الأميركية على العراق. أدى الاحتلال الأميركي إلى فراغ في العراق، سارعت إيران إلى ملء الفراغ لا أكثر ولا أقلّ. من يتحمل مسؤولية ما حصل هو الإدارة الأميركية التي تأخرت في معالجة قضية شائكة من نوع معسكر «مجاهدي خلق». في مرحلة معينة تلت الاحتلال مباشرة، بدا أن الأميركيين يريدون التخلص من المعسكر، فجأة غيّروا رأيهم في ذلك ووجدوا أن في الإمكان الاستفادة من «مجاهدي خلق» ضمن عملية التجاذب بين واشنطن وطهران. ترك الأميركيون العبء للحكومة العراقية التي لم يعد أمامها سوى القرار القاضي باقتحام المعسكر، خصوصاً أن قياديي «مجاهدي خلق» معروفون بأنهم ليسوا من النوع الذي يحب الأخذ والرد كثيراً... بكلام أوضح لا وجود لما يسمّى مرونة لدى «مجاهدي خلق» انها منظمة فاشية من مخلفات الماضي تؤمن بالعنف والانضباط الحديدي.
كشف اقتحام المعسكر مدى النفوذ الإيراني في العراق، خصوصاً بعد خروج الأميركيين من المدن في اليوم الأخير من يونيو الماضي. سيتوجب على الأميركيين الآن أخذ العلم بأن خروجهم من العراق لن ينهي مشاكل العراق ولا مشاكلهم في العراق أو مع العراق. صحيح أن الوضع في إيران مقبل على تغييرات كبيرة وأن إيران ستكون في غضون بضعة أشهر مختلفة نظراً إلى أن على أي رئيس جديد سيخلف أحمدي نجاد الانصراف إلى معالجة الوضع الداخلي للبلد وهو وضع مهترئ إلى حد كبير، لكن الصحيح أيضاً أن مشاكل العراق عائدة إلى عوامل أخرى، من بين هذه العوامل الغرائز المذهبية التي أفلتت من عقالها والتي لم تفعل حكومة المالكي شيئاً من أجل كبحها. على العكس من ذلك، يتبين يومياً أن ثمة مخاوف من قيام نظام جديد يشبه إلى حد ما نظام صدّام حسين مع فارق أنه سيكون ذا طابع شيعي صرف ومتزمت. ان قيام مثل هذا النظام هو الذي سيثير مشاكل كبيرة للأميركيين مستقبلاً، بغض النظر عما ستؤول إليه الأوضاع في إيران، خصوصاً أن الأكراد بدأوا يعون أن مجال التفاهم مع الحكومة الحالية ضيق جداً، هذا إذا لم يكن معدوماً، على الرغم من الزيارة الأخيرة التي قام بها السيد المالكي لكردستان. من يستطيع التكهن بكيفية إيجاد حل لمشكلة اسمها مدينة كركوك، على سبيل المثال وليس الحصر؟
ما الذي فعله الأميركيون بالعراق؟ من الباكر الإجابة عن السؤال. الأكيد أن مشاكل العراق لن تنتهي باكراً. كان اقتحام معسكر «مجاهدي خلق» القريب من بغداد مثلاً حيّاً على ذلك، وعلى وجود وضع في غاية التعقيد يسعى الأكراد إلى الحد من انعكاساته عليهم.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن