علي سويدان / القرار السياسي ... قوة ومصلحة

1 يناير 1970 08:01 م
حين تعلن شركة ما عن ارتفاعٍ في عائداتها التجارية فليس بالضرورة أن تكون عائداتها هذه هي أرباح بسبب ارتفاع نسبة مبيعاتها فربما يكون هذا الارتفاع بسبب تسريح (تفنيش) عدد من الموظفين في تلك الشركة، ولعلها طريقة متَّبعة هذه الأيام لتوفير المال، وهو أسلوب مهذب للتأكيد على استمرار نشاط هذه الشركة وأنها ما زالت بعيدةً عن إعلان الإفلاس!
لا أريد أن أكون متشائماً أو أُتَّهم بالتركيز على الأخطاء والعيوب تارة وبِنَشْر الغسيل تارة أخرى، فلعلنا جميعاً إن تعرفنا بشفافية على عيوبنا كنا أكثر قدرة على إصلاحها وتفادي الوقوع فيها مرة أخرى، مع أننا للأسف بعد تعرُّفنا على أخطائنا، كثير منا يكرر ممارسة هذه الأخطاء مرات ومرات!
هناك عنصران من عناصر القرار السياسي نجهلهما تماماً؛ العنصر الأول هو القوة، والعنصر الثاني هو المصلحة، فحين تتقاطع المصلحة مع القوة وجب اتخاذ القرار السياسي؛ ولا فائدة من اتخاذ القرار دون اجتماع العنصرين معاً، بل هناك ضرر واقع حين الإخلال بهذه المعادلة، مواقف وأحداث تواجهنا نحن العرب وربما تحدث على مقربة منا ولا نجيد الاستفادة من مجرياتها، فلعلنا ندرك أن مصلحتنا في أمر ما ونتخذ قراراً فيه دون توفر القوة الكافية لدينا فينقلب الأمر عكسياً علينا، وأحيانا تتوفر لدينا القوة فنستخدمها بتهوُّر في أمر لا مصلحة لنا فيه فنهدر الطاقات ونضيع الوقت والجهد والمال ونكسب عداء الآخرين!
كنت حتى فترة قريبة أعتقد اعتقاداً كبيراً أننا نحن العرب انتصرنا على اسرائيل في حرب أُكتوبر عام 1973 م؛ فربما شأني شأنَ أيِّ مواطن عربي غلب على ثقافته الإعلام العربي في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، أو ربما لأنني أُصبتُ بعقدة نفسية بسبب ما نسميه نحن نكسة عام 1967 م. لكني بعد اطلاعي على بنود معاهدة السلام «كامب ديفيد» التي وُقِّعتْ بين مصر واسرائيل أيقنتُ أن ليس في تلك المعاهدة أي بقية من بقايا المصلحة للعرب! تصوَّروا معي أن من بنود المعاهدة ألا يكون لمصر أي جيش لها على أرضها في سيناء مع مراعاة أيضاً عدم وجود أي قواعد عسكرية وإبقاء تلك المنطقة خالية أيضاً من الاستخبارات المصرية، شكرتُ الله على أن سورية ولبنان لم تُجرِيا أيَّ معاهدة سلام مع اسرائيل حتى الآن لنحفظ نحن العرب ما تبقى لنا من وجود قومي. إن النصر الذي نتحدث عنه في اختراق خطّ بارليف نصر حقيقي وصادق ردَّ للأمة العربية لحظات من الشعور بالقوة... لكن سرعان ما انطفأت شعلة هذه القوة بالدعم الأميركي عسكرياً لإسرائيل حين انحبس الجيش المصري في سيناء خلف الدبابات الإسرائيلية حتى تدخَّل الاتحاد السوفياتي لتوقِف إسرائيلُ إطلاق النار، ولم يفعل الاتحاد السوفياتي ذلك لسواد عيون العرب، بل لإبقاء دور له في المنطقة، وكي لا تنفرد أميركا بالكرة والملعب!
لم يتغير شيء اليوم، ما زلنا لا نجيد اتخاذ القرار ولا نستثمر فرص الوحدة بيننا وما زال الانفصال بين سورية ومصر بعد وحدتهما شبحاً يرقص أمام عيوننا، بينما أوروبا، التي يكرر علماؤنا اليوم الاستهزاء بتاريخها أيام العصور الوسطى، صار لها عملة واحدة والحدود بين دولها شكلية، ونحن ما زالت كثير من مطابعنا على امتداد الشرق وحتى الآن تصدر (الأطلس المدرسي) يُظْهرُ اليمن دولتين، بينما غالبية دول العالم تكتب في خرائطها كلمة إسرائيل بدلاً من فلسطين استخفافاً بنا، إن الضعف الذي نروِّجه عن أنفسنا صنع جيلاً عربياً يفزع من صوت البرق، ولا يجيد سوى السهر. ليتنا نكون صادقين وواقعيين في قرارنا السياسي، ولا نخدع أنفسنا كما تفعل شركاتنا في الإعلان عن أرباحها بعيداً عن الواقع!


علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]