خيرالله خيرالله / مغرب محمد السادس... مغرب أكثر إنسانية
1 يناير 1970
05:07 م
بعد عشرة أعوام على تولي الملك محمد السادس مهماته في المغرب خلفاً لوالده الملك الحسن الثاني، رحمه الله، ما الذي تغيّر في المملكة؟
في عشرة أعوام تغيّر المغرب في اتجاه أن يكون مملكة أكثر إنسانية. انها رغبة الملك نفسه الذي يختصر بنفسه طبيعة التغيير الذي شهدته المملكة في عشرة أعوام. سئل محمد السادس في بداية حكمه عن القدرة التي امتلكها والده على صعيد تكريس الدور المغربي على الصعيدين العربي والإقليمي ونجاحه في ذلك. كان جواب العاهل المغربي مباشراً وفي غاية الصراحة إذ قال: «لئن كان المرحوم قد رصّع اسم بلاده في الخرائط الدولية، فإن هم خليفته أن يرصّع اسم المغرب في قلب كل مواطن مغربي».
من زار المغرب في الأعوام القليلة الماضية يكتشف أن المملكة صارت بالفعل أكثر إنسانية. المواطن نفسه تغيّر في ظل التجربة الجديدة التي يخوضها البلد والتي تقوم على التطلع إلى المستقبل من زاوية تنطلق من هموم المواطن العادي وتنتهي عند هموم المغرب. تغيرت أمور كثيرة في المغرب، بما في ذلك المدن المغربية التي صار القصر الملكي فيها أقل رهبة وأكثر التصاقاً بالناس العاديين. أكثر من ذلك، لم تعد هناك مدن ومناطق برمتها مهملة يمتنع الملك عن زيارتها عن سابق تصور وتصميم. حتى الأشجار في مراكش صارت أكثر اخضراراً وصارت طرقاتها نظيفة فيما زحف العمران في اتجاه طنجة والقرى القريبة منها للتذكير بأن المدن والمناطق كلها متساوية من ناحية الاهتمام والرعاية. أوليس طنجة نقطة الانطلاق لجسر في اتجاه أوروبا، أليس البحر قبالة طنجة مجرد بحيرة صغيرة يطل عليها المغرب من جهة وأوروبا من جهة أخرى؟ إن النفق الذي يربط المغرب بأوروبا يتحول واقعاً بشكل تدريجي وسيكون طوله ثمانية وعشرين كيلومترا وسيمتد تحت البحر المتوسط. أنه المستقبل، المستقبل الذي يتطلع إليه المغرب في اتجاه أوروبا وأفريقيا.
يظل المستقبل التحدي الكبير الذي يواجه المغاربة الذين صاروا قادرين على طرح كل الأسئلة التي كانت في الماضي ممنوعة، بل من المحرمات. من بين الأسئلة ما معنى أن تكون هناك سياسة خارجية من دون مردود داخلي، أكان ذلك على صعيد ملف الصحراء المعقد أو في نطاق التعريف بمؤهلات الاستثمار أو في سياق تعزيز العلاقات المبنية على الثقة بالعالم الخارجي، هذا العالم الذي لديه وزنه في مجال التأثير في القرارات الدولية من كل الزوايا؟
يواجه المغرب مع مرور عشرة أعوام على صعود محمد السادس إلى العرش، تحديات غير عادية. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في سائر المدن والمناطق هل أعد نفسه للتحديات؟ الجواب يميل إلى كلمة نعم أكثر من ميله إلى السلبية، ذلك أن ما شهدته الأعوام العشرة الماضية يوحي بأن هناك ميلاً واضحاً إلى فتح كل الملفات ومعالجتها من دون أي نوع من العقد. الدليل الأول على ذلك، أن الملك يعترف بأن الحرب التي يشنها هي حرب على الفقر. كان لابد من الاعتراف بوجود الفقر أوّلاً تمهيداً لشن الحرب. الفقر في أساس كل المشاكل أو لنقل معظمها. الفقر في أساس الإرهاب. ولذلك، لم يكن رد محمد السادس على العمليات الانتحارية التي استهدفت الدار البيضاء في السادس عشر من مايو 2003 مقتصراً على المعالجة الأمنية. على العكس من ذلك، كان مطلوباً في تلك المرحلة معالجة شاملة تأخذ في الاعتبار الظروف التي نشأ في ظلها الإرهابيون الذين اعتدوا على مواطنين آمنين متذرعين بالإسلام، الدين الذي يدعو إلى التسامح والتعايش مع الآخر وليس رفضه. كان منطلق المعالجة الاعتراف بأنه حيث يعشش الفقر يمكن توقع تصرفات يائسة ومتعصبة من منطلق أن السياسة ليست ردود فعل على الظواهر أو الأحداث الكامنة في قلب معادلة الواقع فحسب، لكنها فوق ذلك كله استباق لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في أي بلد.
تطور المغرب على مختلف الصعد انطلاقاً من استيعاب أن الفقر يختزل سائر المشاكل. كان مهماً خوض الحرب على الفقر من زوايا عدة بغية خلق واقع سياسي جديد في البلد. ومن هذه الزوايا الاهتمام بالتعليم والمجتمع، خصوصاً بالمرأة، بما في ذلك نشر الوسطية، أي الاعتدال. المؤسف، أن الملك محمد السادس لم يستطع نقل التجربة الجديدة إلى سائر فئات المجتمع. لا تزال هناك مقاومة حقيقية للتغيير، خصوصاً في أوساط النخب السياسية التي ترفض الاعتراف بأن المملكة لم تعد مملكة الخوف والحذر والمعتقلات السرية، أو تصديق ذلك، وأن المغرب تغيّر تماماً مثلما تغيّر العالم. فالأحزاب التي عملت مع الحسن الثاني بقيت أسيرة الصراع السياسي الذي عاشه البلد في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، لم تستوعب الأحزاب أنه بدل الصراع السياسي هناك الآن صراع ذو طابع اجتماعي عنوانه العام الحرب على الفقر والتخلف، واستخدام الدين من أجل الاستيلاء على عقول الناس، أو ارتكاب أعمال إرهابية لا علاقة لها بالإسلام من قريب أو بعيد. هناك في المغرب مشروع واضح المعالم للإسلاميين وآخر لليبراليين وثالث للاشتراكيين... وهناك مشروع للملك يجمع بين مختلف هذه المشاريع.
سيكون عامل الوقت مهماً بالنسبة إلى نجاح التجربة المغربية. النيات الطيبة موجودة، والعمل الدؤوب متوافر ومعه العقل العصري الذي يسعى إلى التغيير والانتصار في الحرب على الفقر والتخلف. لكن الخوف، باعتراف الملك نفسه، أن الحرب على الفقر أشد قساوة في أحيان كثيرة من الحروب التي تخوضها الجيوش بأسلحتها الحديثة. المهم أن هناك إدراكاً في المغرب لطبيعة التحديات المستقبلية بعيداً عن الشعارات الفارغة التي تظل في النهاية مجرد شعارات.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن