خيرالله خيرالله / سلاح «حزب الله» والقرار 1701 والفجور العوني

1 يناير 1970 05:06 م
لا معنى لأي نقاش سياسي في لبنان في غياب طرح موضوع سلاح «حزب لله». لهذا السبب يعلو صوت النائب ميشال عون، الذي ركّب له «حزب الله» أطرافاً اصطناعية عن طريق نواب مسيحيين انتخبوا بأصوات شيعية، مطالباً بتفادي أي كلام عن هذا السلاح. معه حق ميشال عون في الفجور والمطالبة بالرضوخ لمشيئة السلاح وحملة السلاح. من دون هذا السلاح والمسلحين، سيكون لبنان بلداً ديموقراطيا وستشكل الأكثرية الحكومة من دون عراقيل، وستؤدي المعارضة دورها الطبيعي في مجلس النواب حسب التقاليد الديموقراطية العريقة. نعم، ان البحث في سلاح «حزب الله» سيسمح بالانطلاق بلبنان نحو آفاق جديدة ذات علاقة بكل ما هو حضاري في هذا العالم بدل بقائه أسير المحور الإيراني- السوري ورأس حربة له... وأسير الغرائز الطائفية والمذهبية التي يثيرها وجود سلاح «حزب الله» الموجه إلى صدور اللبنانيين، خصوصاً أهل بيروت الأبية الصامدة.
من هذا المنطلق، يبدو طبيعياً استخدام ميشال عون في منع الحديث عن الموضوع الوحيد الذي يستأهل أن يكون هناك بحث جدي فيه. أنه يلعب مرة أخرى الدور المطلوب منه أن يلعبه، دور الأداة عند الأدوات لا أكثر. هذا لا يعني أن في الأمكان نزع سلاح «حزب الله» بالقوة. لا وجود لعاقل يدعو إلى استخدام القوة في مواجهة ميليشيا مذهبية تمتلك سلاحاً أقوى من سلاح الجيش اللبناني وأقامت دولة خاصة بها داخل الدولة اللبنانية. لا مفرّ في الوقت ذاته من الكلام الصريح عن الدور الذي يؤديه هذا السلاح. يندرج الدور في إطار مشروع لا هدف له سوى إخضاع الوطن الصغير انطلاقاً من بيروت... وصولاً إلى الجنوب. انكفأ سلاح «حزب الله» بعد حرب صيف العام 2006 في اتجاه بيروت وأهلها. الآن وبعد تثبيت مواقعه في العاصمة وتحويلها إلى مدينة تحت سيطرته الكاملة، عاد واتجه جنوباً بهدف واضح كل الوضوح. يتمثل الهدف في التخلص من القرار الرقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بغية تأكيد أن لبنان كله، والجنوب تحديداً، قاعدة عسكرية إيرانية ليس إلاّ. يحدث ذلك عملياً على الرغم من كلام ممثلي «حزب الله» عن تأييدهم للقرار 1701.
مرة أخرى، مجنون من يعتقد أن في الإمكان نزع سلاح «حزب الله» بالقوة. ولكن من دون أن يعني ذلك تفادي تسمية الأشياء بأسمائها والاستفادة من تجارب الماضي القريب. في النهاية أن عناصر الحزب لبنانية ولا يحق لأي لبناني الامتناع عن توجيه نصيحة صادقة لأي مواطن مثله متى كان ذلك متاحاً.
تظهر تجارب الماضي القريب أنه كانت هناك دائماً مصلحة إسرائيلية في وجود توتر بدرجة معينة في جنوب لبنان. الأهم من ذلك كله، أن إسرائيل عملت دائماً من أجل أن يكون جنوب لبنان خارج سلطة الجيش اللبناني وسيطرته أو أي سلطة مركزية على ارتباط بمؤسسات الدولة اللبنانية بطريقة أو بأخرى. ولذلك، عندما يتبجح شخص مثل الرئيس السابق أميل لحود بأنه حال دون إرسال الجيش إلى الجنوب عندما كان قائداً للجيش بين 1990 و1998 وعندما صار رئيساً للجمهورية بين 1998 و2007، فإن كل ما يفعله أميل لحود في الواقع هو تنفيذ استراتيجية إسرائيلية من حيث يدري أو لا يدري... ولكن ما العمل مع رجل يمتلك مخيلة مريضة تسمح له بأن يختلق لنفسه أدواراً «وطنية» لا علاقة له بها واضفاء صفات معينة على شخصه، صفات لا تمتّ إليه بصلة من قريب أو بعيد. بل انها صفات تتناقض كلياً مع كل ما مثله في الأعوام التسعة من عهده المشؤوم وما زال يمثله الآن!
في كل مرة، يكون كلام عن الجنوب والقرارات الدولية المتعلقة بالجنوب، لا مفر من العودة إلى الظرف التي رافقت توقيع اتفاق القاهرة في العام 1969 والدور السوري في دفع المسلحين الفلسطينيين إلى الأراضي اللبنانية بغية فرض اتفاق القاهرة على لبنان وابقاء الجنوب جرحاً ينزف. عملت كل دولة عربية مصلحتها بعد هزيمة حرب العام 1967 التي عرف لبنان كيف يتفادى الانضمام إليها فحافظ على أرضه وسلامة ترابه الوطني. شاء العرب في مرحلة ما بعد الهزيمة أن يدفع لبنان ثمن كل تقصيرهم، خصوصاً ثمن إغلاق جبهة الجولان ابتداء من العام 1974، تاريخ التوصل إلى اتفاق فك الارتباط السوري- الإسرائيلي برعاية هنري كيسينجر وزير الخارجية الأميركي وقتذاك. بعد التوصل إلى الاتفاق السوري- الإسرائيلي، صار واضحاً أن هناك تفاهماً عربياً- إسرائيلياً على حصر المواجهة بجنوب لبنان على حساب لبنان واللبنانيين. حتى عندما حصل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، بقي هذا التفاهم سائداً ومعمولاً به إلى حد كبير. تكرس هذا التفاهم في العام 1976 عندما قرر كيسينجر نفسه العمل على إعطاء الضوء الأخضر للدخول العسكري السوري إلى لبنان بغية «وضع اليد على قوات «منظمة التحرير الفلسطينية»، على حد تعبير وزير الخارجية الأميركي الذي كان يخشى تحول حرب لبنان التي اندلعت في الثالث عشر من أبريل 1975 إلى حرب إقليمية. كانت الخطة الأصلية لكيسينجر تقضي بأن يصل الجيش السوري إلى خط الهدنة بين لبنان وإسرائيل وهو «الخط الأزرق». يتطابق الخط المذكور مع الحدود بين لبنان وفلسطين كما كانت في أيام الانتداب، باستثناء مزارع شبعا التي وضع السوريون يدهم عليها في العام 1956. وقد خسر السوريون المزارع في حرب 1967. وهذا يعني أن ما ينطبق عليها هو القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن في نوفمبر من العام 1967. هذا في حال رفضت سورية ترسيم الحدود مع لبنان واعتبار شبعا أرضاً لبنانية.
ما يفترض في كل لبناني وعربي إدراكه، أن إسرائيل وضعت ما يسمى «الخطوط الحمر» لكيسينجر. رفضت إسرائيل وصول السوريين إلى خط الهدنة وطالبت ببقاء القوات الفلسطينية في جنوب لبنان بحجة أنها «في حاجة إلى مناوشات مع المسلحين الفلسطينيين بين وقت وآخر». وهذا الكلام صادر عن ديبلوماسي أميركي كان شاهداً على كلّ ما له علاقة بالمفاوضات التي رافقت اتخاذ كيسينجر قراره القاضي بإيجاد تفاهم إقليمي يدخل بموجبه الجيش السوري إلى الأراضي اللبنانية.
لم يتغيّر شيء في الاستراتيجية الإسرائيلية. لا تزال إسرائيل تفضل ألا يكون الجيش اللبناني في جنوب لبنان. تفضل بقاء الجنوب خارج سيطرة الحكومة المركزية في لبنان. تفضل ألا يكون في لبنان دولة. لذلك، يبدو منطقياً وطبيعياً ألا تكون إسرائيل مؤيدة للقرار 1701 بصيغته الحالية فتلتقي بذلك مع «حزب الله» والجهات التي يمثلها. في النهاية، أن القرار 1701 بصيغته النهائية صدر نتيجة حرب صيف العام 2006 وقد لعب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني الذي كانت بلاده عضواً في مجلس الأمن عام 2006 دوراً في التوصل إلى صياغة معينة تراعي لبنان والمصلحة العربية العليا إلى حد كبير. ما يبدو مخيفاً اليوم أن تلتقي المصلحة الإيرانية مع المصلحة الإسرائيلية في التخلص من القرار والعودة إلى جنوب لبنان «الساحة». هل كانت الأعوام الثلاثة الماضية مجرد هدنة، هل قدر جنوب لبنان أن يختزل الصراع العربي- الإسرائيلي إلى ما لا نهاية وأن يكون المكان الوحيد في المنطقة الذي فيه صراع لأسباب لا علاقة لها بلبنان واللبنانيين، ألم يحن الوقت ليدرك اللبنانيون وأهل الجنوب تحديداً أنه آن أوان وقف المهزلة التي اسمها سكوت الجبهات العربية وسكونها باستثناء «ساحة» لبنان؟ القرار 1701 مصلحة لبنانية. المس به في مصلحة من يريد المتاجرة بلبنان . المس به مصلحة إسرائيلية وإيرانية في آن. تلك هي الصراحة التي لابدّ من خروجها إلى العلن تحت مظلة الوفاق اللبناني والسلم الأهلي بما في ذلك الرفض التام لأي منطق يقوم على فكرة نزع سلاح «حزب الله بالقوة، أياً تكن المبررات لذلك... أما الكلام عن السلاح، فهو واجب وطني والسكوت في موضوع السلاح خيانة لا يغطيها لا الصوت العالي ولا الفجور العوني»!


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن