أماكن / الأسبلة العثمانية

1 يناير 1970 05:57 م
| جمال الغيطاني |
في مرج دابق- شمال حلب- انتهى الزمن المملوكي، بعد أن هزم الجيش المصري، وقتل السلطان الغوري، تمكن العثمانيون من مصر حامية الحرمين، وحارسة البحرين، وبدأ الزمن العثماني، وشمل القاهرة تغيرات عديدة، ظهر الطابع العثماني في العمارة، انتصبت المآذن النحيلة في الفراغ فوق المساجد التي أقيمت في هذا الزمن، المآذن الخالية من زخرف، وعلى الرغم من التدهور الذي أصاب مصر والتخلف، إلا أن ثمة عناصر من الزمن المولي المندثر بقيت، منها اهتمام عدد من الأمراء بالبناء، وأعمال الخير، التي كان الكثير منها يبرر في نظر أنفسهم قسوتهم وظلمهم.
استمر بناء الأسبلة بعد العام 1517، عام الانكسارة العظمى، والمصيبة التي طمت، والكارثة التي حلت، استمر بناء الأسبلة لأنها ضرورة لاستمرار الحياة في المدينة.
ونلاحظ أنه لحق بعمارتها بعض التغير، كان السبيل في العصر المملوكي ملحقا بالمسجد أو يشغل ركنا منه، في العصر العثماني استقل، أصبح وحدة معمارية منفصلة،مستقلة، في البداية كان مربع الواجهة، تزينه نوافذ نحاسية جميلة، يمكن للمار أن يمد يده من خلالها ليشرب الماء من الحوض الرخامي الناصع البياض الذي يلي النافذة، وكان الصهريج الذي يتم تخزين المياه فيه يوضع في مستوى أقل من مستوى الأرض.
وفوق الجزء الأوسط المخصص لتقديم مياه الشرب يقع الكتاب، ويتم الصعود إليه بواسطة سلم يؤدي إلى غرفة الدراسة الرحبة والمحاطة بشرفة تتيح تجدد الهواء، أقيمت فيها العمد، تتوسطها قطع من المشربيات الخشبية الأنيقة، وتحت الأعمدة توجد الكوابيل الخشبية المزخرفة.
ومثل هذه الأسبلة يمكننا أن نراها في الشام، واستامبول، أقدم سبيل عثماني وصل إلينا، سبيل وكتاب خسرو باشا بالنحاسين، «942 هـ 1535م أثر رقم 52» أي بني بعد الغزو العثماني بربع قرن، يليه سبيل يوسف الكردي في القرن السادس عشر «أثر رقم 213»، ثم سبيل الأمير محمد «114 هـ 1605م أثر رقم 14»، ثم سبيل القزلار «1619م أثر رقم 265»، ثم سبيل مصطفى سنان «1630م أثر رقم 264».
في هذه الأسبلة يمكننا أن نلاحظ عناصر الصراع في المعمار، بين طراز الأسبلة المصري الأصيل كما عرف في العصر المملوكي، وطراز الأسبلة العثمانية الوافد، الدخيل، ويمكن القول إن عناصر العمارة المصرية كانت هي الغالبة، كان التمسك بالجذور قويا، نفس هذا الصراع يمكننا أن نلحظه في طراز المساجد أيضا، ولكن مع بداية القرن التاسع عشر، نلاحظ أن عناصر العمارة العثمانية قد بسطت سطوتها مع عدم اختفاء عناصر الصراع والمقاومة.
غير أن طابع المحتل كان هو المسيطر، لقد استدارت واجهة السبيل وأصبحت تشتمل على تقويسات تعلو نوفذاه، وصارت له قاعدة تلف حوله بدرجات من المرمر، وأوضح مثال على هذا الطراز، سبيل محمد علي بالنحاسين الذي يقع في مواجهة مجموعة آثار قلاوون، وسبيله بالعقادين الذي يقوم في مواجهة مسجد المؤيد، وسبيل أم عباس الشهير بشارع الصليبة، وسبيل رقية دودو، لقد احتاجت العمارة العثمانية الدخيلة أكثر من ثلاثمئة عام لتقهر عناصر العمارة المصرية، وعندما قهرتها كان العصر كله ينبئ بالزوال.
وعلى الرغم من وجود هذه النماذج المحدودة فإن التقاليد المعمارية المصرية القديمة كان لها الغلبة، في سبيل سليمان أغا حنفي بقرافة المماليك القبلية نجد أنه ملحق بالضريح كجزء من البناء ذاته، وقد بني نحو العام «1206 هـ 1792م»، كذلك سبيل سليمان السلحدار «1839» الملحق بمدرسته والمجاورة لحارة بيرجوان مسقط رأس المؤرخ الكبير المقريزي، تماما كأسبلة سلاطين المماليك العظام الذين ولى عصرهم في موقعة مرج دابق شمال حلب.
من أسبلة القاهرة
إذا مضينا إلى شارع شيخون سنرى سبيل السلطان قايتباي، إنه واحد من أجمل أسبلة الزمن المملوكي، تطالعنا واجهتان شامختان كسيتا بالرخام الملون، تعلوه لوحة عسيلة كتابة نصها:
«أمر بإنشاء هذا السبيل المبارك السعيد من فضل الله تعالى وجزيل عطائه العميم مولانا المقام الشريف السلطان المالك الملك الأشرف أبوالنصر قايتباي بتاريخ شهر ذي الحجة سنة أربع وثماني مئة».
يعلو هذا السبيل كتاب لتعليم الأطفال وتحفيظهم القرآن الكريم، ويعتبر السلطان قايتباي أول من خصص هذا الجزء للتعليم في الأسبلة.
إذا مضينا إلى شارع المعز لدين الله، حيث تتجاور الآن عصور متباعدة، وإذ بدأنا المشي من بوابة الفتوح وحتى بوابة زويلة فسنرى عددا كبيرا من الأسبلة، لا يتجمع مثله في أي مكان بمصر، قرب حارة بيرجوان ومدخل الدرب الأصفر، نرى سبيل سليمان السلحدار الملاصق لمدرسته، وينتمي إلى القرن التاسع عشر.
إذا تقدمنا قليلا، وتجاوزنا مسجد الأقمر الفاطمي، وشارع الخرنفش، ثم أولينا ظهورنا للصاغة، وتطلعنا، سيواجهنا أجمل أسبلة القاهرة على الإطلاق في رأيي، سبيل وكتاب بين القصرين، الذي أنشأه الأمير عبدالرحمن كتخدا، «1744»... والأمير عبدالرحمن كتخدا من بنائي القاهرة العظام، إذ شيد ثمانية عشر مسجدا، وأجرى توسعات مهمة في الأزهر، وأقام العديد من الأضرحة، وأصلح عددا كبيرا من المساجد والمدارس المملوكية.
هذا السبيل على الرغم من أنه بني في العصر العثماني إلا أنه احتفظ بتقاليد العمارة المصرية وشخصيتها الأصيلة، يقع السبيل في مفترق الطرق، الطريق المؤدي إلى شارع التمبكشية، والطريق المؤدي إلى الخرنفش، يطل على شارع المعز لدين الله بواجهتين، واحدة أمامية، والأخرى جانبية، وعلى الشارع الآخر بواجهة ثالثة، كل واجهة من الثلاث لها فتحات عقودها من الرخام الملون، عليها شبابيك من النحاس الجميل، ويعلو السبيل كتاب تحيطه مظلات خشبية وحواجز من الخشب المشغول الجميل، وقد نقشت على الحواجز الخشبية كتابات بها اسم المنشئ وتاريخ الإنشاء.
«أنشأه الأمير عبدالرحمن كتخدا مستحفظان بن المرحوم حسن كتخدا القازغلي غفر الله له سنة 1157 هـ».
إذا توقفنا أمام إحدى هذه الواجهات، ونظرنا إلى داخل السبيل على ناصية حارة الروم، وفي مواجهة مسجد المؤيد شيخ، نرى سبيلا آخر بناه محمد علي باشا، وهذا السبيل اقيم قبل السبيل الموجود في النحاسين، إذ بنى العام 1236 هـ 1820م،صدقة على روح الأمير طوسون المتوفى العام 1231 هـ 1816م، وملحق به كتاب لتعليم الأطفال، إنه يشبه سبيل محمد علي بالنحاسين، الواجهة مكسوة بالرخام الأبيض، بها خمسة شبابيك من النحاس المصبوب في أشكال زخرفية، كل شباك تعلوه لوحة رخامية بها كتابات تركية تعلوها زخارف مورقة يتوسط بعضها طرة، والأخرى عبارة «ما شاء الله»، يغطي الجميع رفرف خشبي بارز محلى بالنقوش، أما حجرة السبيل فمغطاة من الخارج بألواح من الرصاص أما داخلها فمغطى بالنقوش الملونة.
من أشهر أسبلة القاهرة، سبيل أم عباس، بشارع الصليبة، إنه عثماني الطراز تماما، أنشئ العام 1284 هـ 1867 م، مبناه فسيح، متسع، أرضه مفروشة بالرخام وسقفه منقوش بالأصباغ الذهبية، شبابيكه من النحاس الأسفر، تتخللها دوائر عليها آيات قرآنية، أمرت بإنشائه والدة الوالي عباس الأول، إنه أحد آخر سبيلين تم بناؤهما في القاهرة.
أما السبيل الآخر فهو سبيل أم حسين بك، ويقع في نهاية شارع الجمهورية قرب نهايته من ناحية رمسيس، أنشئ العام 1286 هـ 1869م، بعده لم يقم في القاهرة سبيل آخر، فقد بدأت شركة المياه تمد مواسيرها إلى أحياء القاهرة، وحلت الحنفية العمومية مكان السبيل، ثم دخلت مياه الشركة إلى معظم البيوت.
وأصبحت الأسبلة مجرد أبنية أثرية، تتوارى الآن في معظمها تحت طبقات من النسيان، يعاني بعضها الإهمال، ويغطي واجهات البعض الآخر بضاعات الباعة الجائلين، ونرجو أن تشمل هذه الأسبلة عناية مصلحة الآثار، لن يحتاج الأمر إلا لحملة تنظيف، وإخلاء واجهات الأسبلة من شاغليها، عندئذ تسترد القاهرة أكثر من ستين عملا فنيا معماريا فريدا، لن تعرف الأزمنة المقبلة مثلها.