خيرالله خيرالله / حملة طبيعية على مؤتمر «فتح»

1 يناير 1970 05:06 م
طبيعي أن تشتد الحملة على المؤتمر السادس لحركة «فتح» كلما اقترب موعد المؤتمر المتوقع انعقاده في الرابع من أغسطس المقبل في بيت لحم، أي في فلسطين وليس في مكان آخر كما جرت العادة في الماضي. وما هو طبيعي أكثر أن تزداد شراسة الحملة التي تتعرض لها «الحركة» من جهات مختلفة. أكثر هذه الجهات تضرراً هي تلك التي ترفض القرار الفلسطيني المستقل وتعتبره مجرد «بدعة». أما لماذا التركيز على «فتح» بالذات ومحاولة المتاجرة بدم الشهيد ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني مجدداً، فذلك عائد لسببين على الأقل... الأول أن مؤتمر «فتح» الذي ينعقد بعد تأخير استغرق عشرين عاماً يمثل البوابة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، والواضح أن هناك أكثر من طرف على استعداد للذهاب إلى النهاية في العمل من أجل إغلاق هذه البوابة، كون لا مصلحة لكثيرين في المنطقة في بناء النظام السياسي الفلسطيني الذي يضع الأسس لدولة مستقلة «قابلة للحياة» تؤمن للفلسطيني ممارسة حقوقه المشروعة مثله مثل أي مواطن في أي دولة شرق أوسطية. المطلوب بكل بساطة بقاء القضية الفلسطينية معلقة وموضوع مساومات لا أكثر ولا أقلّ. ومطلوب أيضاً استخدام الفلسطينيين في الحروب العربية - العربية كما حصل في لبنان، وقبل ذلك في الأردن من أجل أن يقول هذا النظام العربي، أو غير العربي، أو ذاك انه يمتلك الورقة الفلسطينية.
أما السبب الآخر الذي يدعو إلى وضع العراقيل في طريق انعقاد المؤتمر، فهو عائد إلى أن «فتح» القوية الموحدة في ظل قيادة شابة، نسبياً، توحد بين الداخل والخارج على أسس وطنية، وتمتلك وعياً سياسياً وحساً وطنياً حقيقياً، تمثل العامل الذي لابد من وجوده لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية. بكلام أوضح، أن «حماس» ليست مهتمة بالوحدة الوطنية الفلسطينية ما دامت «فتح» ضعيفة وفي حال من التشرذم. تفضل «حماس»، ومن يسيرونها من خارج، بقاء «فتح» في حال من الوهن في انتظار اليوم الذي تجد فيه ظروفاً مناسبة لتنفيذ انقلاب في الضفة الغربية على غرار ذلك الذي نفّذته في قطاع غزة قبل عامين وشهرين تقريباً.
هناك من لا يريد انعقاد مؤتمر «فتح» في المطلق نظراً إلى أن استعادة الحركة الفلسطينية الأم وحدتها وحيويتها ودورها الطبيعي يحرم المتاجرين بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من وقود يستخدمونه في معاركهم الإقليمية، وعملية الابتزاز التي تمارس على كل المستويات من أجل تحسين مواقع هؤلاء في الصفقات التي يحلمون بالتوصل إليها مع الأميركي أو الإسرائيلي، أو مع الاثنين معاً. وهناك من لا يريد انعقاد مؤتمر «فتح» نظراً إلى أن استمرار حال الضياع على الصعيد الفلسطيني تصب في مصلحة تمكين حكومة بنيامين نتنياهو من القول ان لا شريك فلسطينياً يمكن التفاوض معه، وأن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية السيد محمود عبّاس (أبو مازن) ضعيف، وأن ليس في الإمكان التوصل إلى أي تسوية معه. والواقع أن «فتح» الضعيفة ضمانة لإسرائيل ولمشروع تكريس الاحتلال على جزء من الضفة الغربية، واستمرار القطيعة بينها وبين «الإمارة الإسلامية الحماسية» إلى أبد الآبدين.
في ضوء هذه المعطيات التي تصب في ضرب المشروع الوطني الفلسطيني، كانت الحملة الأخيرة على مؤتمر «فتح» التي جُنّد لها أشخاص مثل السيد فاروق قدومي عضو اللجنة المركزية في «فتح» ورئيس الدائرة السياسية في «منظمة التحرير». والحقيقة أن «أبو اللطف» ليس بحد ذاته شخصاً سيئاً وإنما يوظف من حيث يدري أو لا يدري في مشروع سيئ، يسيء إلى المشروع الوطني الفلسطيني. قد يكون ذلك عائداً إلى أن الرجل لم ينضج سياسياً رغم دخوله العقد الثامن من العمر. إنه رجل «طيب» ظاهراً، بل ساذج حقيقي يمضي وقته في لعب الورق مع رفاق له. إنه ساذج إلى درجة لم يخف حقده على من خدم القضية الفلسطينية من دون مقابل وساعد في نشوء «فتح» ورعايتها منذ كانت لا تزال فكرة. تنكر للجميل وللوفاء والأوفياء في الكويت، وراح يقول بعيد الاحتلال العراقي لها في العام 1990 إنه إذا حاول الأميركيون إخراج صدام من الكويت سيحولهم جيشه إلى «همبرغر»، أي إنه سيطحنهم. ما الذي يمكن توقعه من شخص يعتبر نفسه «سياسياً» لم يستوعب معنى المغامرة المجنونة التي أقدم عليها الرئيس العراقي، الذي أعدم لاحقاً، في الكويت المسالمة، والانعكاسات السلبية لهذه المغامرة على القضية الفلسطينية خصوصاً، وعلى مجمل القضايا العربية، وعلى الأمن العربي عموما؟ لم يتغيّر شيء في فاروق قدومي الذي يهاجم هذه الأيام رئيس السلطة الوطنية والسيد محمد دحلان عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، ويتهمهما بالتآمر مع أرييل شارون من أجل التخلص من «أبوعمار» في مرحلة ما قبل وفاته. إن هجوم «أبو اللطف» على الرجلين وسام على صدر «أبومازن» ودحلان»، خصوصاً أن الحملة المضحكة- المبكية التي يشنها عليهما، معتمداً وثيقة أقل ما يمكن أن توصف به أنها مزوّرة ومن صنع مخيلة مريضة، تعطي فكرة عن مدى تضايق المتاجرين بالقضية الفلسطينية من احتمال استعادة «فتح» لوحدتها ودورها على الصعيد الوطني.
في الواقع، إن الطفل الفلسطيني يدرك أن «أبو اللطف» يريد تصفية حساباته مع القيادة الفلسطينية بعدما وجد نفسه مهمشاً ولا دور له بعدما اختار البقاء في تونس بحجة أن الاحتلال لا يزال جاثماً على الضفة الغربية. كيف يمكن التخلص من الاحتلال من دون الوجود على الأرض الفلسطينية، ألم يكن صمود «أبو عمّار» على أرض فلسطين التحدي الأول للاحتلال؟ والأهم من ذلك، أن كل من عرف ياسر عرفات، رحمه الله، عن كثب يعرف ماذا كان رأيه في «أبو اللطف» ومآخذه عليه وذلك رغم أنه حافظ على علاقة ذات طابع اجتماعي معه. كان رأي «أبو عمار» في «أبو اللطف» في غاية البساطة، كان يقول في جلساته الخاصة إن الرجل، الذي يكلفني سنوياً أكثر مما يكلف وزير الخارجية الأميركي موازنة الولايات المتحدة، لم يستطع الخروج من «حزب البعث» السوري. ولهذا السبب اعتمد «أبو عمار» دائماً على شخصيات فلسطينية أخرى على رأسها «أبو مازن» للخروج من الحلقة المغلقة والتقدم على طريق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. ليس صدفة أن المجموعة التي وثق بها ياسر عرفات في الأعوام العشرين الأخيرة من حياته لم تكن تضم «أبو اللطف». هذه المجموعة هي التي أوصلت «أبو عمار» إلى فلسطين، وإلى أن يدفن في رام الله وليس في أرض الشتات مذكراً المحتل الإسرائيلي بأن القضية ما زالت قائمة.
من قبره يدق ياسرعرفات أبواب القدس وأسوارها كل يوم. مؤتمر «فتح» الذي ينعقد للمرة الأولى في الداخل خطوة على طريق إبقاء القضية حية، ودليل على وجود برنامج سياسي يقطع الطريق على الاحتلال الإسرائيلي بتأكيده أن الفلسطينيين يمتلكون من يمكن التفاوض معه... وأنهم ليسوا أصحاب شعارات فارغة لا علاقة لها بالواقع والموازين الإقليمية، شعارات لا هدف لها سوى خدمة الاحتلال والمتاجرين بالقضية!
خدمت الحملة على مؤتمر «فتح» المؤتمر... ستدفعه إلى اتخاذ قرارات واضحة في كل المجالات، خصوصاً على الصعيد التنظيمي. «أبو اللطف» ليس سوى أداة صغيرة في لعبة كبيرة في حجم المنطقة اسمها القرار الفلسطيني المستقل. إنه العنوان القديم الجديد للمؤتمر الذي سيظهر هل في استطاعة الفلسطينيين مواجهة تحديات المرحلة وإقامة دولتهم المستقلة أم لا؟


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن