خيرالله خيرالله / اللبنانيون ومشكلة اسمها الذاكرة الانتقائية!
1 يناير 1970
05:07 م
عجيب أمر عدد لا بأس به من اللبنانيين. عجيب خصوصاً أمر أولئك الذين يعتقدون أن ذاكرة اللبنانيين الآخرين قصيرة، وأن في قدرتهم تجاوز محطات معينة من تاريخ البلد، أو تاريخ أشخاص معينين وسلوكهم، وادعاء كل ما يريدون ادعاءه من دون حسيب أو رقيب. اللبنانيون ليسوا أغناماً، كأولئك الذين يصوتون لميشال عون أو مرشحيه. هذا السلوك نوع من التذاكي لا أكثر يمارسه أشخاص مثل النائب الحالي والوزير السابق سليمان فرنجية. قال فرنجية الحفيد عشية لقاء عقده قبل نحو عشرة أيام مع النائب سامي أمين الجميل ان بعض «14 آذار» «أوادم». بدا سليمان فرنجية وكأنه يمهد للقاء عن طريق إيجاد فارق، أو التمييز بين هذا الطرف أو ذاك داخل «الرابع عشر من آذار». ما يجهله سليمان فرنجية أن حركة مثل «الرابع عشر من آذار» لا تحتاج إلى شهادة في الوطنية أو الآدمية، لا منه ولا من غيره. انتصرت «حركة الرابع عشر» في الانتخابات الأخيرة، وانتصرت قبل ذلك، لأنها كانت تمثل ما كان مفترضاً بشخص مثل سليمان فرنجية تمثيله، أي الاستقلال والحرية والسيادة. لا حاجة إلى العودة إلى الماضي، وإلى الأحداث التي رافقت عهد الرئيس سليمان فرنجية الجد، رحمه الله، الذي رفع شعار «وطني دائماً على حق»، فإذا به ينتهي مرغماً في أحضان النظام السوري بعدما اعتقد في مرحلة ما أنه يستطيع التعاطي معه بندّية. لا مجال هنا لنوع من الانتقائية في الذاكرة. تقضي الجرأة بقول كل ما يجب أن يقال، وعرض الواقع من دون تزييف!
انتهى عهد سليمان فرنجية الجدّ الذي امتد من العام 1970 إلى العام 1976 عندما أقدم في مايو من العام 1973، بقرار غير مدروس، على مغامرة تطويق المخيمات الفلسطينية للانتهاء من حال غير طبيعية كان يعاني منها لبنان. أراد سليمان الجدّ الاقتداء بتجربة الأردن التي تمثلت في إعادة سيادة الدولة إلى كل الأراضي الأردنية في العام 1970. فشل في ذلك فشلاً ذريعاً ليس لأن التركيبة اللبنانية مختلفة عن التركيبة الأردنية، وهي قد تكون مختلفة وقد لا تكون عندما يتعلق الأمر بالمخيمات الفلسطينية والانتشار الفلسطيني المسلح، وإقامة مربعات أمنية خارج سيادة الدولة. فشل عملياً لسبب في غاية البساطة يعود إلى تدفق السلاح والمسلحين من الأراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية من جهة، ولأن النظام السوري اتخذ قراراً بإغلاق الحدود مع لبنان من جهة أخرى. لم تفتح الحدود إلا بعد تأكد النظام السوري، وكان على رأسه الرئيس حافظ الأسد، رحمه الله، من أن سليمان فرنجية فهم الرسالة التي فحواها أن القرارات الكبيرة في لبنان تتخذ في دمشق وليس في قصر بعبدا. استمر هذا النهج إلى أن كانت تظاهرة الرابع عشر من مارس 2005 بعد شهر على استشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. أدت تلك التظاهرة، التي يحاول النظام السوري اليوم الالتفاف على نتائجها، إلى تعديل جذري في المعادلة القائمة منذ العام 1973 والتي فرضها حافظ الأسد على سليمان فرنجية الجدّ.
وقتذاك، في العام 1973، خضع سليمان فرنجية الجدّ للنظام السوري خضوعاً تاماً. نشأت معادلة جديدة في ضوء عدم قدرة لبنان على التخلص من الوجود الفلسطيني المسلح الذي فرضه السوريون والذي استخدم في مرحلة لاحقة للحصول على ضوء أخضر أميركي- إسرائيلي سمح للجيش السوري باجتياح الأراضي اللبنانية في يونيو من العام 1976 بحجة «وضع اليد على قوات (منظمة التحرير الفلسطينية) في لبنان» على حد تعبير هنري كيسينجر وزير الخارجية الأميركي في تلك المرحلة، انه كيسينجر نفسه الذي توصل إلى اتفاق فك الاشتباك بين سورية وإسرائيل في العام 1974. هذا الاتفاق لا يزال ساري المفعول إلى يومنا هذا وهو يمثل حجر الزاوية لكل السياسات السورية، قلة في لبنان فهمت معنى التحولات التي شهدتها المنطقة في تلك المرحلة. الأكيد أن سليمان فرنجية الجدّ، الذي بدأت الحرب اللبنانية في عهده يوم الثالث عشر من أبريل 1975، لم يكن بين هذه القلة التي استوعبت ما يدور في لبنان وفي محيط لبنان.
كل ما يمكن قوله لسليمان فرنجية الحفيد في هذه الأيام أن «حركة الرابع عشر من آذار» في غنى عن نصائحه، كل ما عليه عمله هو محاولة استيعاب المعادلة الجديدة التي فرضها الاستقلاليون في لبنان، هذه المعادلة تفرض على كل سياسي لبناني السعي إلى تحسين العلاقات مع سورية والشعب السوري، ولكن عليه في كل لحظة التعاطي بحذر مع النظام. بكلام أوضح، على كل سياسي لبناني يعرف ألف باء السياسة العمل من أجل علاقات ندية بين لبنان وسورية بغض النظر عن النظام في دمشق وطبيعته. في النهاية ان سليمان فرنجية الجد يتحمل مسؤولية كبيرة عن ثلاثين عاماً من الوصاية السورية على لبنان نظراً إلى أنه لم يفهم أمرين أساسيين... لم يفهم أوّلاً لماذا كان ذلك الإصرار السوري على إرسال أسلحة ومقاتلين فلسطينيين إلى لبنان منذ أواخر الستينات عندما كان حافظ الأسد لا يزال وزيراً للدفاع، ولم يفهم ثانياً وأخيراً أن دفع الأحزاب المسيحية إلى التسلح وإقامة ميليشيات خاصة بها تواجه الوجود الفلسطيني المسلح كان انتحاراً للمسيحيين لا أكثر. الوجود الفلسطيني المسلح لا يواجه إلا بموقف وطني موحد، من المسلمين قبل المسيحيين، أكان ذلك في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي، أو في العام 2009. وحده الموقف الوطني الموحد يحمي لبنان. لا حاجة إلى المتاجرة بالتوطين أو غير التوطين. هذه أمور لا يفهم فيها معظم الذين يتحدثون عنها بدءا من تلك النكتة السمجة التي اسمها الجنرال ميشال عون الحليف الجديد لفرنجية، وانتهاء بسليمان الحفيد نفسه.
بعض التواضع يبدو أكثر من ضروري في مثل هذه الأيام، التواضع يقضي بالاعتراف بأخطاء الماضي، بما في ذلك الخطأ الكبير المتمثل في الجريمة البشعة والمدانة بكل المقاييس التي تعرضت لها عائلة سليمان فرنجية. الإدانة تقضي بتسمية الأشياء بأسمائها، أي تحديد من ارتكب الجريمة، ومن سهل وصول المسلحين إلى مكان الجريمة. متى يستطيع سليمان فرنجية الحفيد ذلك، يصير من حقه اتخاذ موقف من «الرابع عشر من آذار» عموماً ومن بعض «الرابع عشر من آذار» على وجه التحديد. هذا لا يعني أن «الرابع عشر من آذار» معصومة عن أي خطأ بمقدار ما يعني أن لا مجال للمزايدة عليها، يكفيها فخراً أنها لم ترضخ للنظام السوري ومثلت إلى حد كبير ما حاول أن يمثله سليمان فرنجية الجد عندما كان رئيساً، إذ رفع قبل وصوله إلى الرئاسة شعار «وطني دائماً على حق» الذي أسقطه النظام السوري بمجرد أنه حاول بسط سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها في العام 1973!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن