محمد العوضي / خواطر قلم / وزراء الداخلية... وفردوس البدون!

1 يناير 1970 10:36 ص
عندما زارت مفوضية اللاجئين الدولية الكويت للاطلاع على اوضاع شريحة «البدون» ومرت السيارة التي تقلهم بين منطقة القيروان العامرة الجديدة النموذجية ومنطقة منازل الشعبيات الخربة المتهالكة في الصليبية، تساءل موفد مفوضية اللاجئين الدولية عن هذا التناقض الصارخ والمكشوف لشدة التقارب بين النموذجين، فلما علم ان القيروان سكن المواطنين والشعبيات سكن البدون، سكت لكنه عندما دخل شعبيات الصليبية قال: لقد زرت مخيمات رفح الفلسطينية فوجدت حالها أفضل من هذا الذي أراه الآن عندكم!!
الجمعة قبل الماضية 3/7 استجبت لدعوة كريمة من أناس كرام النفوس في الصليبية وشاهدت ما شاهده موفد المفوضية الدولية، فتذكرت المخيمات الفلسطينية كما تذكرها الخواجة الغربي لأنني زرت اكثر المخيمات الفلسطينية في لبنان وصورتها في حلقات ظهرت على قناة «الراي» قبل ثلاث سنوات... فعلاً مخيمات الفلسطينيين رغم مأسويتها افضل حالاً من مثيلاتها مساكن البدون عندنا لأن هناك جهات عالمية ومنظمات دولية تساهم في دعمها ولجاناً عربية خيرية تقدم خدمات عديدة لها... أما مساكن الصليبية فالكلام لا يسعف، والمكان قريب اذهب واكتشف الكارثة بنفسك!
ما الذي خرجت به من زيارتي لديوانية البدون الصغيرة في حجمها، الكبيرة في همومها وآمالها وآلامها؟ أجمل ما في تلك الجلسة الارضية المتواضعة بهيئتها ومكوناتها البسيطة الروح التراحمية الاجتماعية الاخوية التي تجمع هؤلاء المثقلين بأنواع الهموم، لم احس بأي فرق بين الحاضرين وبين اي ديوانية كويتية من حيث الثقافة العامة للديوانيات، طبيعة التفاعل التلقائي بين روادها وبين احداث الحياة، أقصد وبكل صراحة لو لم يقل لي احد انهم من فئة «البدون» لما خطر على قلبي انهم غير كويتيين... العادات، الاعراف، اللسان والنسب الـ... الخ.
انهم قطعة من نسيج المجتمع... هل أنا مبالغ؟ هل غلبت مشاعري عقلي؟ هل طغى عندي الجانب الانساني على الجوانب القانونية؟... قل ما تشاء، هذا ما ادركته وزاده يقينا في الديوان العامر ما حكاه الاخوة عن همومهم بوعي، فهم الآن لا يراهنون على الجنسية هذه خطوة بعيدة المنال وتحتاج الى لجان وتدقيق، لكن الحقوق المدنية والانسانية هي المحور الذي طال حوله الحديث...
اتفقنا على ان التحرك يجب ان يكون بطرق مشروعة وقانونية مع التواصل الجاد والمنظم مع اصحاب الوزن السياسي القوي من برلمانيين وغيرهم... ولا داعي ان افتح نافذة الجراح التي نتجت عن تأخير اعطاء هذه الشريحة حقوقهم المدنية (شهادة ميلاد، تعليم، علاج، شهادة زواج وشهادة وفاة...) أعجبني في شباب الديــوانية وهم (اللجنة الشعبية لقضايا البدون)... العــــمل الــــهادئ الـــدؤوب وعدم اليأس والاستعانة بالارشيف من خلال المتابعات الدقيقة لما ينشر وللتصريحات الرسمية وغيرها... لكن ما يؤرقهم هو مصير ذويهم وأهلهم وذراريهم وما ينتظرهم من مستقبل محبط في ظل البطء الشديد في حل معضلة المعضلات قصة البدون في هذا البلد.
ومما لفت انتباهي ضمن ارشيف اللجنة الشعبية لقضايا البدون ملف يحوي تصريحات وزراء الداخلية من بعد تحرير الكويت الى يومنا هذا، ابتداء بالراحل الشيخ علي الصباح رحمه الله الذي صرح قائلا: أمهلوني حتى ديسمبر لحل قضية البدون وكان هذا في عام 1993 كما نشرت «القبس»، ثم تصريح الشيخ محمد الخالد في 7/9/2000 في «الأنباء» ستسمعون اخبارا سارة قريبا وبعد ذلك الشيخ نواف الاحمد كما نشرت «الراي» 19/7/2005 «التجنيس مستمر ولم نسمح بظلم احد وان قرارات لتنفيذية البدون ستحدد من تنطبق عليهم المعايير».
ثم جاء الشيخ جابر المبارك وصرح «حل البدون خلال شهرين، وثلاث شرائح واحدة تستحق الجنسية «عالم اليوم» 29 يناير 2007.
وأخير الشيخ جابر الخالد وزير الداخلية الحالي في أول حديث بعد نيله ثقة مجلس الامة لعكاظ 5/7/2009 «سنعالج قضية البدون وأبشركم هذه القضية تحظى باهتمام الحكومة وستسمعون ما يسركم».
لا أشك ان كل هذه التصريحات جادة، لأن الجميع بوده الانتهاء من هذا الملف المؤلم المظلم، ولكن السؤال: «ان هذه التصريحات ليست لمسؤولين صغار في البلد كما انها ليست من نواب ربما تفسر تصريحاتهم لمصالح انتخابية او تبرئة ذمة كما انها ليست من اي وزير وإنما هي تصريحات من وزراء داخلية ويتداول عليها ابناء الاسرة الحاكمة... هنا يكون السؤال ذا مغزى لماذا رغم قوة التصريحات وبشائرها وتكررها الا انها على صعيد الواقع العملي نرى التعثر والبطء دون مباشرة جادة للدفع بالمأساة الى الخروج من المرحلة المزمنة، فهل سيكون تصريح وزير الداخلية الاخير بداية أمل جديد للحل؟ الجميع يأمل ذلك.


محمد العوضي