مسيحيو الأكثرية والمعارضة على محك «التوافق الصعب» وسط لوائح «متحركة» لمرشحين معلنين و... مكتومين

1 يناير 1970 03:22 م

|    بيروت - «الراي»   |

رغم اعلان اللجنة الرباعية لموارنة الاكثرية (تحالف 14 مارس) والمعارضة التي تعقد اجتماعاتها برعاية البطريركية المارونية (بكركي) عن التوصل الى تحديد مواصفات رئيس الجمهورية المقبل، الا ان احداً من المتابعين لعملها ولما يجري من اتصالات مسيحية داخلية، من روحيين وسياسيين، لا يبدو متفائلاً بتمكن اللجنة من التوصل الى لائحة محددة باسماء المرشحين الفعليين لرفعها الى البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير.

وبحسب المعلومات المتوافرة فان المواصفات التي وصل اليها المجتمعون قد تنطبق على اكثر من خمسة او ستة اشخاص، ما يعني الخروج من دائرة المرشحين الثلاثة المعلنين أي العماد ميشال عون والنائب بطرس حرب والنائب السابق نسيب لحود. وهذا يعني ان مجرد رفع عدد الاسماء يطرح اشكالية مزدوجة لدى المعارضة والاكثرية على حد سواء.

فالمعارضة المسيحية لن تقبل ان يضاف أي اسم غير اسم عون، لان دخول اسماء اخرى على اللائحة، يعني ان عون يضع نفسه في مواجهة مع مرشحين آخرين في الجلسة النيابية التي لا يضمن فيها لنفسه اصوات الثلثين، والاكثرية تعتبر ان اضافة اسماء غير حرب ولحود يعني الخروج عن ثوابت «14 مارس»، وهي اساساً لا تقبل ضم اسم عون الى لائحة مرشحيها رغم كل ما يشاع عن اجواء التوافق الحالية. وبذلك، تعود اللجنة الى نقطة الصفر، ما لم يكن ثمة اتفاق سياسي على ان تقدم اللجنة اسماء مرشحين من خارج قوى «8 مارس» و«14 مارس».

لكن هذا القرار ليس رهناً برغبة اعضاء اللجنة المصغرة، بل هو رهن، بطبيعة، الحال بقدرة القيادات السياسية من الصف الاول على صياغة اتفاق شامل ومن طراز رفيع، وبهوية الشخص الذي يمكن ان تتفق عليه هذه القيادات، لان اللجنة المصغرة غير مكلفة اساساً اختيار اسم شخص واحد كمرشح توافقي.

حتى الان، خلصت الاجتماعات التي بدأت تعقد ومحورها العماد ميشال عون الى اشاعة اجواء تفاؤلية في الاوساط المسيحية، وسحبت الى حد كبير التوتر الذي كان موجوداً بقوة، على خلفية موضوع التسلح والتشنج القائم بين «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية» وزادته حدة حلقات تلفزيونية، بثتها محطة «او. تي. في» الناطقة بلسان تيار عون، عن اغتيال رئيس حزب «الوطنيين الاحرار» المهندس داني شمعون، وفيه لقطات مصورة لشمعون وكلام لمحامي ابنته تمارا رشاد سلامة عن قائد «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، ومنع اقامة قداس اعده قدامى الاحرار المؤيدين لعون، في ذكرى اغتيال شقيق داني شمعون، بتدخل مباشر من رئيس الحزب الحالي دوري شمعون، المعروف بخلافه الحاد مع عون.

لكن تدخل المرجعيات الروحية بدءاً من السفارة البابوية وبكركي الى بعض الشخصيات الفاعلة، ساهم الى حد كبير في تبديد المخاوف من انعكاس التوتر السياسي على الارض، وهذا ما لحظته ايضاً اجتماعات اللجنة المصغرة.

لكن السؤال يبقى هل يمكن للاجتماعات بين قيادات الصف الاول ان تؤدي الى ما هو ابعد من تهدئة الاجواء، وصولاً الى الاقتراب من تحديد اسم توافقي؟

 في اللقاء الاخير الذي جمع العماد ميشال عون والوزير السابق سليمان فرنجية مع البطريرك صفير، لم يتمسك عون بترشيحه مرشحاً وحيداً، لا بل انه وضع ترشيحه بتصرف صفير، عارضاً تأييده لمرشح يحظى بموافقة الثلثين من اعضاء البرلمان ويؤمن المبادئ الاساسية التي يصر عون على تحقيقها، وهي تأمين المشاركة المسيحية في السلطة واقرار قانون انتخاب عادل واجراء انتخابات مبكرة ومنع التوطين في شكل حاسم.

وهذا الموقف لا يزال يتمسك به عون، وان كان «حزب الله» اعلن انه رفع اسمه كمرشح وحيد للمعارضة، وهو ما تعتبره الاكثرية مناورة اعلامية ليس الا، لان الرئيس نبيه بري وهو الطرف الشيعي الآخر، لم يسم عون ولا مرة واحدة خلال كل الاجتماعات التفاوضية التي جرت حتى تاريخه. والكل يعرف بما في ذلك اوساط المعارضة نفسها ان بري لا يرتاح كثيراً الى عون، الذي لم ينتخبه اصلاً رئيساً للمجلس النيابي، على خلاف ما ذهبت اليه الاكثرية يومها بقيادة سعد الحريري ووليد جنبلاط.

وعون مدرك تماماً ان وضعه اليوم ناخباً مسيحياً قويا يوزاي اسمه كمرشح قوي للمعارضة، وهو في هذا المجال يبدي اكبر قدر من المرونة في تعاطيه مع بكركي مع شخصيات الاكثرية التي يلتقيها تباعاً، ولا شك ان هذه اللقاءات تزعج بعض اطياف المعارضة كما الاكثرية. من هنا بدأت لائحة الاسماء تتبلور من دون ان يكون اسم عون او حتى اسمي لحود وحرب موجودين فيها. علماً ان ثمة ايحاءات بان اسم الرئيس امين الجميل قد يدخل الى هذه اللائحة التي سبق واشرنا اليها في تقرير سابق وتضم العماد ميشال سليمان وميشال اده ورياض سلامة وجان عبيد وفارس بويز.

فاللقاء الذي جمع الجميل وعون وفتح ثغرة في الحائط المسدود بين الاكثرية المسيحية والمعارضة المسيحية، انما عقد بين مرشح معلن ومرشح غير معلن، وثمة من في الاكثرية من يتحدث صراحة عن دخول الرئيس الاسبق للجمهورية الى نادي المرشحين التوافقيين، في شكل جدي، وتلميح المقربين منه الى هذا الترشيح المكتوم. والجميل بتلبيته دعوة اللقاء مع عون، في الوقت الراهن، بعد شهور من الامتناع عن الاستجابة لهذا العرض، اعاد الملف الرئاسي والوضع المسيحي الداخلي الى ايدي المسيحيين، من دون ان يلغي دور المعارضة والاكثرية على السواء. من هنا يأتي حرصه الدائم على التواصل مع رئيس المجلس النيابي من جهة، وزيارته مع النائب غسان تويني، غداة لقائه عون، وايفاده صهره ميشال مكتف الى نواب الاكثرية، ونجله سامي الى قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وتواصله مع الوزير السابق سليمان فرنجية، هاتفياً، او كما تقول اوساط في الاكثرية انه اوفد اليه ايضاً نجله سامي.

لكن هذا الترشح يصطدم اولاً بموقف «القوات اللبنانية» التي تتمسك بمرشحي «14 مارس» والتي لا ينفصل موقفها من الجميل رغم التحالف بينهما، عن امكان سماح جعجع بعودة حزب الكتائب الى السلطة، على حساب قاعدة «القوات اللبنانية». وكذلك فان المقولة التي سبق ان طرحت لاستبعاد النائب السابق نسيب لحود عن الترشح للرئاسة كونه نائب خسر في الانتخابات النيابية، تنطبق ايضاً على الجميل الذي خسر امام المرشح كميل خوري في انتخابات المتن الفرعية الاخيرة.

لذا ورغم كم الاخبار المشجعة المتداولة في الصالونات السياسية اللبنانية، الا ان اوساطاً مسيحية فاعلة لا تبدي تفاؤلاً بقدرة المسيحيين لوحدهم على التوصل الى اسم توافقي، بمعزل عن حلفائهم، لان الاقطاب الاساسيين للمعركة هم مرشحون علناً او سراً، اما توافقيون واما مرشحو النصف زائد واحد. والخوف ان تكون الاجتماعات الثنائية او الموسعة، شبيهة بتلك التي كانت احتضنتها بكركي قبل انتهاء ولاية الرئيس الجميل في عام 1988 ولم تصل الى نتيجة. فرغم خوف جميع القيادات حينها، مما هو مقبل على لبنان فان عدم الاتفاق على اسم يترجم الحرص المسيحي على المسيحيين وعلى لبنان، اوصل البلاد الى ما شهدته لاحقاً من فراغ واحتلال. واحتمال تكرار التجربة ليس مستبعداً، وخصوصاً ان مروحة المرشحين المسيحين اليوم كما بالامس واسعة تراوح بين مرشحين معلنين وآخرين غير معلنين، وتوافقيين ومرشحي معارضة او اكثرية، هذا مع العلم ان الاجتماعات التي تعقد جانبياً تثير اسئلة لدى المرشحين المعلنين، وابرزهم حرب ولحود، خشية طبخات رئاسية من دونهم، وان تحرق اسماؤهم في هذا الوقت الضائع وسط كم من الاخبار والاشاعات المتداولة في كواليس المعارضة والاكثرية، تهدف الى الضرب على وتر مرشحين معروفين والغمز من قنوات اتصالات اقليمية يجريها مقربون منهم.