خيرالله خيرالله / سمير قصير... يوم تموت بيروت!
1 يناير 1970
03:47 م
كلما مرّ يوم تتكشف أكثر الأسباب التي دعت أعداء لبنان والعروبة الصادقة إلى التخلص من سمير قصير. كلما مرّ يوم يزداد الاشتياق إلى ما كان يمثله سمير قصير بذكائه الحاد، وقدرته اللامتناهية على استشفاف المستقبل بفضل حسه السياسي المرهف. استُهدف سمير قصير لأنه كان شخصاً مختلفاً. كان الأكثر شجاعة بين أبناء جيله. كما كان من بين أولئك الذين لم يخشوا قول كلمة الحق في أقسى الظروف. استُهدف سمير قصير ليبقى أولئك التافهون الذين لا شغل لهم سوى تغطية الجرائم التي ارتكبت في حق أشرف اللبنانيين والعرب، من رفيق الحريري، وباسل فليحان، ورفاقهما، وصولاً إلى الرائد وسام عيد، مروراً بسمير قصير نفسه، وجورج حاوي، وجبران تويني، ووليد عيدو، وبيار أمين الجميل، وأنطوان غانم، واللواء فرنسوا الحاج، والنقيب سامر حنا الذي ذنبه الوحيد أنه ضابط طيار في الجيش اللبناني حلق بطائرته فوق الأراضي اللبنانية!
لا يمكن بالطبع أن ننسى أن الحملة على الشرفاء شملت الشهداء الأحياء الذين ما زالوا يقاومون الظلم والجهل، ومحاولات إلحاق لبنان بكل ما هو متخلف وفاسد في المنطقة... على حساب التقدم والتحرر والالتحاق بكل ما هو حضاري في هذا العالم. هؤلاء الشهداء الأحياء هم مروان حمادة، والياس المر، والمقدم سمير شحادة، والزميلة مي شدياق التي لا تزال تقاوم المجرمين، وحيدة أحياناً، بكل ما بقي لديها من قوة وعزيمة لا تلين، وشجاعة ليس بعدها شجاعة.
في الذكرى الرابعة لاستشهاد سمير قصير، يتبين أن القتلة كانوا يعرفون تماماً ماذا يريدون. كان يريدون بكل بساطة إسقاط صوت الحق المدوي الذي فهم باكراً أن ربيع بيروت يمكن أن يكون تتمة لربيع دمشق، وأن العكس صحيح. لذلك، كان مطلوباً إسكات سمير قصير باكراً حتى لا يكون هناك أدنى صدى لنجاحه في لبنان، وفي بيروت تحديداً، في عواصم ومدن عربية أخرى... لم يكن سمير قصير مجرد كاتب من لبنان ذي صوت يتردد صداه في سورية وفلسطين فحسب، بل كان أيضاً صوتاً محرضاً يدفع في اتجاه اعتناق الحرية والديموقراطية، والتمرد على الظلم، والتخلص من التخلف والفساد في حال كان مطلوباً بالفعل مواجهة المشروع الإسرائيلي في المنطقة. كان سمير قصير مقاوماً حقيقياً لإسرائيل. لذلك كان لابدّ من التخلص منه سريعاً كي لا تكون هناك مقاومة غير تلك التي تسعى إلى تغيير طبيعة المجتمع اللبناني، كي تسهل عليها السيطرة على الوطن الصغير وابقائه تحت الوصاية، أو على الأصح إعادته إليها، كما الحال عليه الآن للأسف الشديد.
دفع سمير قصير ثمن قدرته على الاقناع. دفع ثمن صوته الذي يصل إلى حيث لا يصل الآخرون. لذلك كان مطلوباً إسكاته مثلما كان مطلوباً إسكات «النهار». ليس سراً أن «النهار» فقدت الكثير من قدرتها على المقاومة بمجرد استشهاد سمير قصير. وليس صدفة استهداف جبران تويني بعد ستة أشهر من اغتيال سمير. كانت «النهار» هدفاً بحد ذاته. لذلك، ضغط النظام السوري بقسوة في مرحلة ما على رفيق الحريري كي يتخلص من أسهمه فيها. ولذلك أيضاً كان استهداف مروان حماده في الأول من أكتوبر 2004. لم تكن محاولة اغتيال مروان رسالة موجهة إلى رفيق الحريري ووليد جنبلاط فحسب. كانت أيضاً رسالة موجهة إلى «النهار» التي حملت في تلك المرحلة جزءاً أساسياً من عبء مقاومة نظام الوصاية بفضل سمير، وجبران.
فوق ذلك كله، دفع سمير قصير ثمن غرامه ببيروت وما تمثله بيروت على الصعيدين العربي واللبناني. دفع ثمن كونه بيروتياً حقيقياً، يعرف كل زاروب من زواريب المدينة، كما تقول حبيبته جيزيل خوري، وكل معلم من معالمها. دفع في الوقت ذاته ثمن كونه عاشقاً لسورية الحرة المزدهرة، ولفلسطين المحررة من كل القيود بما في ذلك وصايات الأنظمة العربية على قرارها المستقل.
كان قتل سمير قصير تعبيراً عن مدى الحقد على بيروت، وعلى «ثورة الأرز» التي لعب دوراً مهماً في إطلاقها. من قتله حاقد على المدينة، وعلى لبنان السيد الحر المستقل، وعلى من كتب «قصة بيروت» التي تظلّ إحدى أكثر الدراسات شمولاً عن العاصمة اللبنانية. من قتله يصر على أن تبقى بيروت كما كانت قبل أن يعيد رفيق الحريري بناءها، أي مجموعة قرى فقيرة تفصل بينها شوارع وبيــــــوت مــــــدمرة.
لكل هذه الأسباب ولغيرها أيضاً، من بينها درجة الاحتقار الكبيرة للتافهين الذين يلعبون اليوم دور الأداة «المسيحية» عند حزب مذهبي، اغتيل سمير قصير. كان مطلوباً ألا يعلو صوته الذي يفضح. كان ولا يزال مطلوباً ألا يكون لبيروت صوت. كان سمير قصير أحد أصوات بيروت. بيروت التي صمدت ولا تزال صامدة في وجه كل أنواع الميليشيات المذهبية، والطائفية الحاقدة مثلما صمدت في الماضي في وجه أرييل شارون وأمثاله.
كان سمير قصير استثنائياً. سمير قصير لم يمت. سمير قصير مثل بيروت. سمير قصير لا يزال حياً في عقول وقلوب كثيرين من رفاقه الذين تصدوا بأجسادهم العارية للغزوة الأخيرة التي تعرضت لها بيروت. نعم، سمير قصير لم يمت. لن يموت إلا يوم تموت بيروت.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن