لم تصل أوروبا إلى ما وصلت إليه من تقدّم علمي وكيان مدنيّ بعصاة سحرية ولا بقفزة في عالم الخيال العلمي! بل يهمّني أولاً أن نقف باحترام ومن دون مكابرة للنموذج الأوروبيّ في المضيّ نحو المستقبل بجد وتطور، ثم بعد ذلك ليقل كلٌّ منا ما يشاء.
هناك في أواخر العصور الوسطى كان المجتمع الأوروبي في أسوء صور التفكك والضياع، وحين بدأ الاستيقاظ من نومه بدأت الحركة الأولى للتأليف والترجمة والنسخ...
ومن باب التشجيع للعلماء للاتجاه نحو التأليف والبحث العلمي؛ كان يأتي الرجل إلى أحد علماء الدين المهتمين بالبحث ونسخ الكتب ويطلب من العالم أن يقوم بأي عمل خيّر لتغفر ذنوبه، فيكلّفه العالم بنسخ كتاب ألّفه أحد الباحثين، وحين ينتهي من نسخ الكتاب، يطلب إليه العالم أن يكتب في آخر صفحة في الكتاب أمنية يرجو أن يحققها له القدر، فيكتب الرجل في هذه الأمنية مثلاً: «إنه يرجو أن يرزق في ليلة من الليالي أوزّة مشويّة وعبوة من نبيذ!»، هذا منتهى أمنية رجل يعيش في أواخر العصور الوسطى! لكننا لا نريد أن ننسى أن هذا الرجل صاحب الأمنية الضيّقة في نظرنا قد قام بعمل جليل، ربما أكبر قيمة من عمل تقوم به دور النشر والمطابع والآلات في عالمنا اليوم لأهداف مادية بحتة أو تنفيذاً لتعليمات جهات رسمية!
لقد أصابتنا تخمة نكاد ننفجر بسببها، وهذه التخمة هي كثرة العلماء في عصرنا وفي مقدمهم علماء الدين! والمشكلة يمكنك أن تلاحظها عن قرب أينما تجولت في بلادنا العربية العتيقة والحديثة ترى الناس في الشارع متمكنين من أفكارهم ويدعون إليها ولو كانت خطأ! وهم في الوقت نفسه يفهمون في كلّ أمر شارد ووارد! فلنجرّب الاحتكاك بالناس في مجتمعات منوّعة في بلاد العرب سنرى ونلمس ادعاء الخبرة بشكل لا مثيل له بين عامتهم، فهم يفهمون بالسياسة بصورة واضحة، ويفهمون في المال والاقتصاد والتعليم والفتوى الدينية وغير ذلك... مع التزامهم الشديد بالتمسك بالرأي والتشدد في الفكرة والديكتاتورية في البيت مع الزوجة والأبناء والأصدقاء! لا أدري ماذا ترك العرب في حياتهم اليومية لعلمائهم؟ إن كانت الشعوب العربية تحمل هذه الصفات من عناد وتشدد وادّعاء للمعرفة وتسلّط في القرار، فما حال علمائنا الذين هم نتاج هذه الشعوب وصفوة تلك المجتمعات؟
إن ظهور علماء الدين أمام الناس في المساجد وفي الصحف وعلى هاتف الإذاعة وشاشات الفضائيات بمظهر الحازم للأمور الفقيه بكلّ شيء! أمر أودى بالعلاقة السوية بينهم وبين الناس، وصنع من فئات المجتمع، خصوصاً طلبة العلم، أناساً يقتدون بالشخصية الإنسانية التي تفقه كل شيء، ولا تخطئ أبداً، بل من العيب أن يقول الإنسان: «لا أدري»! من منّا سمع أو شاهد عالماً من علماء الدين أو غيرهم سأله أحدٌ سؤالاً وأجاب: لا أدري! نحن العرب لا نجيد قول كلمة «ما أدري»، إلا إذا سألنا أحد عن اسم شارع من الشوارع! أو للتهرب من المساءلة نقول: «ما كنت أدري»!
إنها مسألة تستحق النظر، بل إعادة النظر، والأمر يشمل العلماء كلهم، وفي التخصصات كلها، من طب في مجال الصحة من دون خديعة للناس، وفي الصناعة لنوقف آفة الاعتماد على الاستيراد، وعلماء في التربية والتعليم يواكبون بأفكارهم كل جديد بعيداً عن الدّروشة والاعتباط في صناعة المناهج التربوية؛ فلدينا «مستشارون» في التعليم لا يطيب لهم النوم إن لم يغيّروا الكتاب المدرسي كل فترة ربما تماشياً مع «الموضه»!
إن المجتمع الذي يتجه بجدّ نحو الإصلاح والتقدم تلزمه وقفة حقيقية مع نقد الذات دون خوف من فقد شيء، بل مصلحة المجتمع تكون بالصراحة مع النفس أولاً قبل الجلوس على المنصة فقط لانتقاد الناس وكشف أخطائهم! وليتّجه كل عالم متخصص إلى تخصصه... حتى لا يصبح عندنا علماء... حتى الإشباع!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]