لم يعد سهلاً على الإطلاق أن يتجرأ أحد على سرقة نص من أحد إلا في ظروف توفر للسارق القيام بتلك الجريمة دون مساءلة ما! وفي الوقت نفسه ليس من الصعب قيام السارق الذي يرتدي ملابس الكاتب أن يسرق الفكرة وقالبها التعبيري لينسبها إليه بعد أن يسكب في قالبها المفردة المرادفة للمعنى نفسه!
نعم، كما أن في عالمنا أناس شرفاء ملأتِ النزاهة قلوبهم وفاضت على سلوكهم فلم يقـــبلوا أن يــــمدوا أيديهم إلى أموال الناس أيضاً هناك منحرفون ساقتهم نزعاتهم العدوانية إلى الطمع فاعتدوا على الأموال العامة والخاصة وسرقوا منها! ومنهم الذين وقعوا في قبضة القانون ومنهم من التفوا عليه، لكنهم ساقطون لا محالة في قبضة العدالة يوماً من الأيام. وليست سرقة الفكرة والنص أقل جرماً من سرقة المال أو التعدي عليه، إن لم يكن التعدي على الأفكار أشد أثراً وخطورة!
كلنا يسمع ويراقب وربما يشارك في الاتجاه نحو حماية الملكية الفكرية والسعي إلى حالة صحية يطمح إليها القارئ قبل الكاتب تخلوا هذه الحالة من سرقة النصوص وتحويرها في قوالب لفظية جديدة سواء في المقال، أو البحث العلمي، أو غير ذلك من فنون الأدب من شعر وقصة ورواية... نحن نؤمن بتوارد الخواطر وتطابق الأفكار في عالم التأمل عند الكاتب، ولكن من اللافت أن يتكرر هذا الأمر من كاتب تجاه آخر! فكلما كتب الأول في فكرة أعاد «قرينه» الفكرة نفسها في لفظ آخر! أهذا هو الإبدع؟ أهذا هو التفنن في إضافة الجديد إلى تراثنا الخالد؟ أم أنه نوع من الهبوط السحيق إلى مستوى يكشف فيه هذا «المقلد» عن حقيقته؟ هذا الأمر يجدر الوقوف عنده؛ لأن الكلمة خالدة بمعناها وباقية بعد قائلها. فليس من العدل أن يخاف الكاتب أنْ ينشر أفكاره فيسرقها المتسلقون بين الكتاب!
الأمثلة كثيرة... ولو تتبع النقاد ذلك لكشفوا عن عمليات استنساخ يومية للأفكار والنصوص حرمها القانون، ثم يمر أصحابها مبتسمين بين يديه! إنه من الجميل، بل من الرائع أن يلقحَ الكاتب فكرته من قراءاته للآخرين، لا أن يأخذ أفكاراً جاهزةً ثم ينسبها إلى نفسه! فالكاتب ملزم في صدق مهنته أن ينوع من قراءته في التاريخ وأحداث اليوم وما يرتبط بالمستقبل، ولولا هذا النوع من القراءة لما توارث الناس خبراتهم. وفي الوقت ذاته فقد جرت عدالة التاريخ على كشف كل من يلجأ إلى سرقةِ الأفكار في النصوص، ولو بعد حين والأيام خير شاهد.
إن طبيعة اللص أن يسرق من مال غيره!
ومن الطبيعي أن يسرق المنحرف من أفكار
سابقيه؛ فيلجأُ مثلاً أحد الكتاب المبتدئين
إلى السرقة من كبار الكتاب أو السابقين له، ولكن من العجيب أن يقلد السابق أحدَ المبتدئين أو يسرق منه! فلا عجب أن يستفيد المعلم من تلميذه لا أن يأخذ أفكاره! يمكننا عدم التوقف عن الحديث في هذه القضية، لأنها مشكلة مستمرة وقضية أخلاقية ترتبط بحسن الطوية وشفافية القلب، والقناعة بما يملك الإنسان من قدرات فطرية ومكتسبة تميزه عن غيره، ولو تغلب الإنسان على ما في نفسه من طمع وحسد لكانت الحال أفضل بكثير في صفوف أصحاب القلم، فهم الأولى بالارتقاء في عيون الناس ومن قبل ذلك أمام أنفسهم... وحتى لا تموت أفكارنا بين نصوص ولصوص!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]