خيرالله خيرالله / رسالة أمل من الضفة الأردنية للبحر الميت!

1 يناير 1970 03:48 م
كما العادة كل عامين، ينتقل مؤتمر دافوس إلى الأردن. بالنسبة إلى كثيرين كان «المنتدى الاقتصادي العالمي للشرق الأوسط» الذي استضافته مجدداً هذه السنة الضفة الأردنية من البحر الميت بين الخامس عشر والسابع عشر من مايو الجاري، مثيراً للجدل. كان بالنسبة إلى عدد لا بأس به من المشاركين في المنتدى بمثابة شيء مختلف لا علاقة له بالمنتديات التي انعقدت في الماضي أكان ذلك في البحر الميت أو في شرم الشيخ. يعود ذلك إلى سببين. أولهما الأزمة الاقتصادية العالمية التي ألقت بظلالها الثقيلة على المنتدى الذي بحث في «انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية على الشرق الأوسط». أما السبب الآخر فهو عائد إلى أن العالم لا يزال في حال ضياع، إذ بدا واضحاً من خلال النقاشات التي دارت على شاطئ البحر الميت أن ليس هناك في الوقت الحاضر من هو قادر على تحديد ماهية هذه الانعكاسات ومداها.
باختصار، هناك من استوعب معنى انعقاد المنتدى في ظل الظروف الإقليمية والدولية المعقدة وتحت وطأة الأزمة الاقتصادية العالمية وأهمية ذلك... وهناك من رفض فهم أن العالم تغيّر وأن على المنتدى أن يتغير أيضاً. كان على المنتدى التكيف مع المعطيات العالمية الجديدة ومع الوضع في الشرق الأوسط الذي ازداد تعقيداً بفعل الصعود القوي لقوى التطرف في إسرائيل وغير إسرائيل. تكمن أهمية منتدى دافوس بنسخته الشرق أوسطية في تلك القدرة على التكيف. أوليس الذكاء، أقله في جانب منه، امتلاك القدرة على التكيف؟
ولأن المنتدى كان قادراً على التعاطي مع الواقع والمتغيرات التي يشهدها العالم والمنطقة، كان طبيعياً أن يكون طابعه مختلفاً. في الماضي، كان هناك تطلع إلى المستقبل وإلى ما يمكن أن يوفره الاقتصاد العالمي من فرص لردم الهوة بين العالم المتقدم من جهة والعالم المتخلف من جهة أخرى. في هذا المنتدى، كان التركيز على كيفية إصلاح العالم بشقيه المتطور والمتخلف. كان جلياً أن العالم كله في أزمة. ربما اكتسب المنتدى أهميته من زاوية أنه عكس عملياً ما يدور في العالم لا أكثر ولا أقل. كان مرآة حقيقية وواقعية للوضعين الإقليمي والعالمي بكل ما فيهما من تعقيدات تشير إلى أن العالم مازال يمر بمرحلة انتقالية بحثاً عن نظام دولي جديد، وذلك منذ انتهاء الحرب الباردة مطلع التسعينات من القرن الماضي.
بغض النظر عن التقويمات المختلفة لمنتدى البحر الميت - نسخة 2009، يظل أن الأردن عرف مرة أخرى كيف يوصل رسالته التي هي رسالة سلام واستقرار وبحث عن مستقبل أفضل لأهل المنطقة. لذلك، كرر الملك عبدالله الثاني في الخطاب الذي افتتح به المنتدى أهمية استغلال الفرصة المتوافرة حالياً من أجل تحقيق سلام على أساس خيار الدولتين. ولعل أهم ما قاله في هذا الشأن مستذكراً نكبة العام 1948: «في هذا اليوم، الخامس عشر من مايو، وفي كل أنحاء العالم، يحيي الناس ذكرى النكبة، تلك الكارثة التي حلّت بالفلسطينيين قبل واحد وستين عاماً. وحول موائد العائلات في هذه الليلة، سيتحدث كبار السن عن حياة كاملة من الأحزان والخسائر. أما المواليد الجدد الذين يشكلون الجيل الرابع للنكبة، نعم الجيل الرابع، فقد ولدوا ليشهدوا الصراع وينظروا إلى مستقبل غير واضح المعالم. إن هذا التاريخ ليس كارثياً بالنسبة إلى الفلسطينيين فحسب، وأنما لكل الشرق الأوسط أيضاً. بل يمكنني القول للعالم أجمع. فبينما نتشارك معاً في استعادة ذكرى كل ما ضاع، وبينما تغمرنا مشاعر التعاطف مع كل من عانى، دعونا نلزم أنفسنا بالمساهمة في إيجاد الحل».
كانت رسالة العاهل الأردني رسالة أمل. الأمل بحل. من يرى كيف استطاع الأردن إعادة الحياة إلى المنطقة المحيطة بالبحر الميت عبر سلسلة من المنتجعات والفنادق ومركز كبير للمؤتمرات، يدرك أن الحياة أقوى من الموت وأن التحديات التي تواجه الأردن ليست بالضرورة من النوع الذي لا يمكن قهره متى توافرت الإرادة والعقلانية والواقعية. فالانتصار لا يكون بالرهان على الأوهام والشعارات المضحكة - المبكية مثل شعار «المقاومة» بمقدار ما أنه رهان على العقل والمنطق. والعقل والمنطق يرددان ما ورد على لسان عبدالله الثاني في منتدى البحر الميت. تحدث عن «أن التحديات تواجهنا جميعاً، ولا يملك أي منا الحل منفرداً. ونستطيع إذا عملنا معا مواجهة تحديات توفير أنظمة التعليم الحديثة وترشيد استهلاك المياه والثروات الأخرى النادرة وإيجاد الحلول الصحية والبيئية وتلك الخاصة بالتنمية الحضرية والاجتماعية إلى جانب الكثير من الأولويات الأخرى».
هناك لغة مختلفة ومتقدمة يسمعها المرء في مؤتمر مثل «المنتدى الاقتصادي العالمي للشرق الوسط». هناك كلام عن مشاريع حقيقية مرتبطة بتوفير المياه للأردن عن طريق تحلية المياه. وهناك كلام عن تعاون على الصعيد الدولي بين مجموعة دول اسمها مجمعة الـ11. وقد عقدت المجموعة قمة لها على هامش منتدى البحر الميت. ولكن أكثر ما يسمع في الأردن هذه الأيام هو الكلام المتعلق بالجيل الشاب. بعد سنوات قليلة سيبلغ عدد الشبان في الشرق الأوسط مئتي مليون. هل من يفكر منذ الآن في مستقبل هؤلاء، أم يُتركون للتطرف والبرامج التعليمية المتخلفة؟ ثمة وعي أردني لهذا التحدي. ربما كان ذلك السبب الذي دفع عبدالله الثاني إلى توزيع جوائز في البحر الميت على شبان عرب تألقوا في مجالات مختلفة. إنه استثمار في المستقبل. إنها رسالة أمل بانتصار ثقافة الحياة، ليس في الأردن وحده، بل في المنطقة كلها أيضاً... رسالة أمل تنطلق من البحر الميت!


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن