بشعور نحو التفاؤل الحسن، وبروح غُرست فيها التمنيات، افتتح المرشح جاسم الخرافي رئيس مجلس الأمة السابق مقره الانتخابي الأول عن الدائرة الثانية في منطقة الشامية، داعيا ألا يتحول هذا العرس الديموقراطي الجميل الذي نعيشه إلى مأتم ديموقراطي، ومن خلال عرس الافتتاح أعلن الخرافي عن توجه جاء للتأسيس مفهوم جديد للعمل الجماعي في المجلس، وهو الأمر الذي كان يفتقده المجلس السابق، متمنياً ان تأتي حكومة تعمل وتؤمن بالتضامن الحكومي حتى لا تتكرر اخطاؤها مرة اخرى، ومشيداً بالقرار الحكيم لصاحب السمو أمير البلاد الذي حل فيه المجلس بعدما رأى سموه ان مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وقد وجه الخرافي تساؤلاً عن العرس الديموقراطي الحالي وقال للحضور: «هل نحن فعلاً نعيش عرساً ديموقراطياً؟ وهل هذه الأجواء التي نشاهدها هي اجواء عرس، إلى أين نحن متوجهون، وما موضوع الخلاف، وكيف هو المستقبل، خصوصاً ان حل المجلس قد جاء بعد أقل من عام من عمر المجلس السابق فهل في ظل هذه الاجواء نأتي ونقول بأننا في عرس ديموقراطي؟» في حين تلمس الأخ جاسم الخرافي احساس المواطن العادي وأشار إلى وجود حالة من الاحباط عند جميع المواطنين، اذ لمس ذلك عن قرب من خلال قيامه بجولات عدة، وقال: «ان كنت لا ألوم المواطن على هذا الشعور» الا انه اكد في النهاية ان الكويت هي ديرتنا الحبيبة وانه يجب علينا الا نصل إلى مرحلة اليأس لأن اليأس يعني الاستسلام، ثم أشار الخرافي إلى ان صاحب السمو الأمير ارجع القرار في الاختيار إلى المواطنين وبالتالي فإن مقاطعة الانتخابات الناتجة عن شعور الاحباط هي خطوة لا تستحقها الكويت! لذلك دعا الأخ بوعبد المحسن إلى التفاؤل دائماً نحو الخير، وإلى معالجة اخطائنا بجرأة وحكمة، ودعا إلى اختيار المرشح الأفضل،وعدم الوصول إلى مرحلة اليأس لأنه يمثل الفشل، داعياً الجميع إلى تجنب هذا الشعور من أجل الكويت وأهلها الطيبين، ثم بعد ذلك بين للحضور ان الأخطاء بين المجلس والحكومة كانت اخطاء مشتركة، ولكن وكما أشار فإنه ليس من حقه كمرشح الآن، أو حتى رئيس للمجلس السابق، ان يشكو للحضور اخطاء الحكومة إنما من الواجب ان نعالج الاخطاء طالما لدينا الوسائل المختلفة لمعالجتها، وقال الخرافي: «ان المواطن هو الذي اوصل النواب الى المجلس وبالتالي على النواب ان يعوا حجم الأمانة والمشاكل، وان يحسنوا استعمال الأمانة»، والتساؤل الأكبر الذي حمله الخرافي للحضور هو «ما العلاج للأزمات، ولماذا تتكرر الأزمات؟» وأوضح ان الازمات تتكرر لأننا للأسف نبحث عن أي قضية لنخلق منها مشكلة، ثم نذهب الى قضية اخرى ويثار حولها وجهات النظر وتتضخم إلى ان تفشى ونذهب إلى اخرى واخرى. ومن خلال ما دار استشهد الخرافي بالمشاكل التي تطرح في هذه الانتخابات، بيد أن الصحافة ما قصرت وأصبحت تتفنن بالمانشيتات التي تكبر القضايا وتتنقل من موضوع إلى آخر! كما أكد الخرافي ان الحكومة كانت سبباً في بعض المشكلات والدليل قرار وقف الندوات في الجامعة! وتساءل مرة اخرى إذا ما العلاج؟ وأجاب «أرى ان العلاج يتمثل في الحرص على هذا الوطن العزيز علينا، ومعالجة مشاكلنا بحكمة، وأن نرى مصلحة الكويت قبل ان ننظر الى مصالحنا» هذا وبلطف منه نحو النصح دعا بوعبدالمحسن الى الابتعاد عن التأزيم والصوت العالي، وقبول الرأي والرأي الآخر، فلا يمكن لأي نائب أن يعالج المشكلات الا من خلال العمل الجماعي، ورأى صعوبة الاتفاق بين 50 نائباً لأن الجميع لديه اجندة خاصة ولكن في النهاية فإن الحسم للتصويت وبالتالي على الأقلية ان تقبل رأي الأكثرية، وان نعالج جميع الأمور بالأسلوب الديموقراطي والأهم من ذلك تجنب الإثارة خارج قبة البرلمان، فإن كان هناك مواضع يجب ان تطرح فعلينا ان نطرحها تحت قبة البرلمان حتى يطلع الشعب على كل الآراء. ثم أثار الأخ بوعبدالمحسن موضوع الاستجواب باعتباره سؤالاً مغلظاً، يجب ان يكون مختصراً، فلا يجوز الحديث عن طرح الثقة قبل مناقشة الاستجواب، وعلينا ان نعي كيف نتعامل مع بعضنا البعض وألا نخرج عن أدب الحوار، مؤكداً بأن للناس كرامة ولا تجوز الإساءة لهم تحت قبة البرلمان، فالحصانة داخل المجلس يجب أن تُصان، وان كان ذلك خارج المجلس فهناك محاسبة قانونية وبالتالي يجب ألا نخرج عن ادب الحوار. وهذا يقودنا الى دور الرئاسة في هذا الجانب وما مسؤولياتها وصلاحياتها، وأين هي من الاستجوابات، وما هو الضمان لعدم الخروج عن ادب الحوار؟ ورداً على هذا الجانب قال الخرافي: «نقول ان هناك حقيقة يدركها البعض ويجهلها آخرون وهي أن اللائحة الداخلية في المجلس لا تعطي الرئاسة صلاحيات واسعة في هذا الشأن، رغم ان في اللائحة بعض الصلاحيات للرئيس إلا أن المجلس هو الذي يصوت على اتخاذ القرارات، هذا ولم يسبق في تاريخ المجلس ان قام الرئيس باتخاذ قرار لاخراج نائب من الجلسة»، مضيفاً ان من صلاحيات الرئيس رفع الجلسة في حال حدوث شغب، أو شطب الكلام الذي يخرج عن ادب الحوار واللغة، وقال: «مع الاسف ان الموضوعات التي تأخذ اسلوب الحدة في الطرح والصراع تحت قبة البرلمان هي التي تبرز في الصحافة وتأخذ اهتماماً وكلها على حساب الكويت وأهلها وسمعتها! وهذا بالطبع يحتاج منا أن نتوقف عنده كثيراً وان نعيد حساباتنا ونحاسب أنفسنا»، وفي هذا الصدد أكد ان هناك مساعي لمعالجة هذه السلبيات ومنها رفض الخروج عن ادب الحوار، الا ان هذه الجهود لم يكتب لها النجاح في المجلس السابق، وقال انه كلما حددنا الأولويات لطرحها في المجلس يخرج لنا قانون شعبي جديد يدغدغ العواطف ويصبح أولوية... ثم تتأخر الأولويات!
لقد جاء التعبير الأبوي من الأخ جاسم الخرافي للجميع ليس من باب الشكوى وانما ليوضح الوقائع الحقيقية للمجلس السابق وحتى لا يقول أحد انه لا يجتهد، مضيفاً أن هناك مجموعة تجتهد معه ولكن هذا لا يعني اننا كلنا ملائكة، فبالنهاية هو بشر مثله مثل اي احد، في حين أكد انه يحاول ان يجتهد ليتجنب الأخطاء بل عنده الجرأة للاعتراف ان كان مخطئاً أو على صواب من دون «مكابرة»، وأفاد ايضاً ان هناك مواضيع مهمة في حاجة الى علاج ولكن علينا ان نعالجها بالحكمة وبعد النظر دون التنازل عن حقوقنا الدستورية، وصلاحياتنا البرلمانية، كما يجب ان نتحلى بالحرص على الابتعاد عن الفتنة، وقال: «نحن ايضاً لدينا تشكيلة من الفتن، فتنة سياسية، وفتنة تجارية، وفتنة اجتماعية، وعندنا مع الاسف ايضاً اسلوب القيل والقال»، لذا تساءل الخرافي: «لماذا لا نجعل الكويت قدوة للجميع، ولماذا نحتاج الى هذه الفتن ونحن أهل ديرة واحدة، فماذا يمنعنا؟ ان المحبة والتقارب موجود، والعلاقة المتينة بيننا غير موجودة في أي مكان»، مضيفاً «أين نجد مثل هذا التلاحم... فالعلاقة المتميزة بين الحاكم والمحكوم يجب أن نحمد الله عليها، علينا أن نحرص ونحافظ على هذا النظام، والارتباط به ليس من خلال المادة الرابعة من الدستور بل من 300 عام، ونحن من انتخب هذا النظام ولم يفرض علينا، وبالتالي لابد ان نحرص على النصيحة الصادقة الصادرة من الحرص على النظام والكويت وأهلها».
ثم بعد ذلك، كرر الأخ الخرافي على أهمية العمل الجماعي في المجلس، والابتعاد عن الشخصانية، والتنسيق لايجاد أكثرية داخل المجلس لكي تستطيع أن تقود العمل البرلماني، وليس المهم أن تحظى بإجماع ولكنها تعمل لصالح الوطن وليس أكثرية، مسيرة وموجهة وبصامة! وقال نريد أكثرية قلبها على الديرة وحرصها على مستقبل الكويت.
ثم أكد الخرافي على أهمية دور الناخبين، وقال: «كيف تشتكون من المجلس وهو مجلس منتخب أي ان النواب خرجوا من ارادة الناخبين ومن اختيارهم، آملاً ان تأتي حكومة تعمل وتؤمن بالتضامن الحكومي، تعمل وتؤمن بالتنسيق المشترك وبايجاد البرنامج والخطة التي ستسير عليها حتى نستطيع معاً أن نعالج جميع أمور البلاد»، متوجهاً بالقول الى زملائه المرشحين بكل محبة وتقدير: «أرجوكم أن تتذكروا اننا في بلد صغير وكلنا مرتبطون فيه وبلدنا لا يتحمل الأقاويل والاشاعات التي توجه لبعضنا البعض»، وأضاف: «لتكن الحجة بالحجة، والمنطق بالمنطق، ولا داعي للمساس بالكرامة، فلا يمكن قبول الجراح لأن الانتخابات ستنتهي في 16 مايو وستبقى الألفة والمحبة بيننا». وفي النهاية، أكد الأخ جاسم الخرافي على ان الديموقراطية والحرية هما انفتاح الحاكم على المحكوم وهذه نعمة يجب أن نحمد الله عليها ونحافظ عليها، مضيفاً: «اننا في بلد صغير نواجه تحديات خارجية لا يمكن مواجهتها الا من خلال الوحدة الوطنية التي هي خط الدفاع الأول عن أمننا ووحدتنا ويجب أن نحرص على تماسكنا، وأن نعمل من أجل الكويت وأهلها الطيبين». وقال بصدق «أقسم بالله ما راح نلاقي أحسن من الكويت».
ومن خلال ما طرح من مواضيع مصيرية في غاية الأهمية سردها الأخ جاسم الخرافي رئيس مجلس الأمة السابق اثناء افتتاحه مقره الانتخابي الأول كان بها المزيد من الصراحة المعبرة والنصيحة الأبوية للجميع، ركز فيها على التفاؤل نحو المستقبل طالما يوجد لدينا هذا العرس الديموقراطي الجميل، وأن حل المجلس السابق ليس نهاية المطاف، وحذر من دخول المواطن مرحلة اليأس لأن الكويت تستحق الكثير من العطاء والتضحية.
لقد آن الأوان ان نحسن الاختيار للمرشحين من أجل الكويت وأهلها، وأن نرى مصلحة الكويت قبل أن ننظر الى مصالحنا، فأول ما نصارح به أن نصارح أنفسنا، مجلساً وحكومة؛ بمشكلاتنا ونعالجها بنقد ذاتي... فالأخطاء بين المجلس والحكومة كانت أخطاء مشتركة في غياب التضامن الحكومي، ولا يمكن لأي نائب أن يعالج المشكلات الا من خلال العمل الجماعي، ان العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة متميزة فلنحافظ عليها. وما يلفت النظر هنا، عند افتتاح مقره، جرأته واعترافه، حيث أجاب بكل صراحة قائلاً انه يجتهد ليتجنب الأخطاء، ولديه الجرأة في الاعتراف ان كان مخطئاً أم على صواب من دون أي «مكابرة»، نعم انها صفات جميلة قد لا تجدها في أي نائب ولكن بالطبع تجدها عند بوعبد المحسن الذي ترعرع على العادات الكويتية الأصيلة، وتميز بالخلق الطيب والمعاملة الحسنة للناس منذ نعومة أظافره، وفقك الله يا بوعبدالمحسن لما فيه الخير، وكتب لك النجاح والتوفيق.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]