أصبوحة / الهيبز وسارتر

1 يناير 1970 04:02 ص
| وليد الرجيب |

خلط صديقي بين حركة «الهيبز» وفلسفة سارتر، لا أعلم لماذا، ولكنه علل بخطأ آخر، اذا قال فلسفة سارتر تؤمن بعدم الوجود، أو كما قال «الوجود والعدم»، وهذا خطأ شائع عند بعض المثقفين العرب، فالعدمية في فلسفة سارتر لا تعني عدم الوجود، ولكنها تعني العبثية.

أما حركة «الهيبز» hippies، التي ظهرت في ستينات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، فقد كانت حركة احتجاجية ضد حرب فيتنام والخط اليميني الرجعي في أميركا، وبخاصة اجراءات مكارثي ومحاكماته ضد الأدباء والفنانين والمفكرين على اعتبار أنهم شيوعيون.

كانت فترة الستينات مفصل في التغييرات السياسية والاجتماعية، ولعل أشهر الحركات الاحتجاجية حركة مارتن لوثر كنج ضد التفرقة العنصرية، وكذلك حركة الطلبة في فرنسا عام 1968م، والتي من قادتها ميشيل فوكو المفكر المعروف، وكذا الحركات النسائية احتجاجاً على التفرقة بين المرأة والرجل... الخ

حركة الهيبز حركة احتجاجية عشوائية، لم تكن ضمن الاستراتيجيات للأحزاب السياسية، لكن الأحزاب استغلت هذا النهوض لتصعيد عملها السياسي، مثلما حدث مع حركة «نبيها خمس» الشبابية في الكويت، بدأت كحركة شبابية ثم انضمت لها شخصيات وتنظيمات وطنية، وانضمت كذلك شخصيات انتهازية ومتسلقة.

لكن حركة الهيبز التي ساهمت باثارة الرأي العام الأميركي والعالمي للمطالبة بالسلام ووقف الحرب، خرجت في جزء منها عن الانضباط بسبب عدم تأطيرها بالعمل الحزبي المنظم، ولذا تحول الشعار الأساسي «اصنع الحب لا الحرب» الى «مارس الحب لا الحرب» لأن make love تحتمل المعنيين، وهذا يشبه الوجودية والعدمية كما فهمه وترجمه بعض المثقفين العرب، وبناء على فهم عبارة make love not war وحيث انها حركة احتجاجية ضد القيود والقديم والسياسة وسلطة الدولة، بالغ البعض بالسلوكات والأفكار، مثل الممارسات الجنسية العشوائية وتدخين الحشيش وتعاطي المخدرات، واطالة الشعور واللحى، والنوم بالشوارع والحدائق.

قادنا هذا النقاش مع الصديق المثقف الى السؤال التالي: «هل هذا يعني أن الأحزاب هي التي تصنع التغيير في المجتمع والجماهير تتبعها؟ أحياناً، ولكن الأساس هو حركة المجتمع والشعب، وتلعب الأحزاب والتنظيمات السياسية بخبرتها السياسية، دور ضابط الايقاع خشية الانفلات أو الاستغلال.

لكن التنظيمات العربية تتعامل أحياناً مع جماهيرها وكأنها قطيع، وكأنها (التنظيمات) تمتلك الحقيقة كاملة، لكن الممارسة الحياتية وليست النظرية هي الحاسم بالأمر، فالممارسة العملية وحركة الناس تظل في ذاكرة الشعوب وتاريخها، ولذا تكرر وتقلد لنجاح تجربتها.

ففي العام الماضي افترش الشباب ساحة الارادة مطالبين بالاصلاح السياسي، وقبل أسبوعين افترش المطالبون باسقاط القروض الساحة نفسها وبالأسلوب نفسه، وحتى انهم استخدموا الشموع التي استخدمتها حركة «مبدعون كويتيون»، رغم أن الأولى كانت للمطالبة بالاصلاح والثانية كانت للمطالبة بتدمير اقتصاد البلد.

هناك من يعتقد أن الخبرة السياسية هي المنطق الوحيد للنضال والاصلاح والتغيير، لكن الخبرة السياسية وحدها تعني العيش في برج عاجي بعيداً عن نبض الجماهير، يجب أن تكون الخبرة السياسية على صلة وثيقة بما يحدث بالمجتمع والشارع، يجب أن تكون متنبهة كي تستطيع قيادة وتنظيم الاحتجاج بخبرتها، ولنتذكر أن التنظيمات السياسية العربية لا تثق بجماهيرها، وتتعامل معها بريبة وتشكك، أو «شوية يهال».

في انتفاضة 17 و18 يناير 1979م في القاهرة، والتي سماها الرئيس السادات «انتفاضة حراميه»، كانت انتفاضة شعبية عشوائية لكن مطالبها شرعية، مثل مطالب الهيبز الشرعية، ولم تستطع الأحزاب المصرية بخبرتها العريقة أن تستشعر السخط المتنامي عند الجماهير بسبب المعاناة المعيشية، كانت الأحزاب مشغولة بقضايا أكبر وأهم من الجماهير وأبناء الشعب، ولذا قمعت بسهولة وبسرعة.

الآن اختفت ظاهرة الهيبز، لكن بقي جوهر التغيير، وبالمناسبة لا ألوم صديقي المثقف لخلطه بين حركة الهيبز والسارترية، لأني عندما بحثت عن معنى هيبي في القاموس وجدتها: الخنفوس، الهيبي، الوجودي.


[email protected]

www.alrujaibcenter.com

www.osboha.blogspot.com