تقرير أصدره معهد «السلام الأميركي» رصد التفاعل بين العالمين الإسلامي والغربي

هل أصبحت نظرية «صدام الحضارات» من الماضي؟

1 يناير 1970 12:37 ص
رنا أبو عمرة *
لم تقتصر التداعيات الفكرية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر على تفجير التوترات القيمية الكامنة في العلاقات العربية الأميركية الغربية، أو الإسلامية - الأميركية/ الغربية، بل إن هذه الأحداث كانت بمثابة الحجر الذي أُلقي في مياه الصدامات بين الحضارات والثقافات الراكدة، ففتحت الباب واسعاً أمام دعاة الحوار بين الحضارات والتسامح بين قيم الثقافات وشجعت المنظمات على تبني مشروعات وبرامج وحملات توعية بالتسامح، ونبذ العنف إقراراً للسلام والاستقرار، ولما كان الإسلام هو المتهم الأول في تلك الأحداث بدأت المنظمات الإسلامية الحكومية وغير الحكومية تلعب دوراً ليس من موقع الدفاع عن اتهام موجه لها، ولكن من منطلق إظهار أن داخل الدين الإسلامي قيم رافضة للإرهاب بهذا المعنى وما لا يتناقض مع فكرة أن هناك أرضية مشتركة بينه وبين الأديان السماوية الأخرى، مما يبرهن على قدرته على استيعاب الاختلافات وتوظيفها لتحقيق الأمن والسلام الدوليين. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق، ما البرامج والأنشطة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي التي قامت بها المنظمات الإسلامية لتقديم الأطروحة الإسلامية لكيفية بناء السلام وضمان الاستقرار في العالم؟
في محاولة للإجابة على هذا التساؤل أصدر برنامج «الأديان وصنع السلام» التابع لمعهد «السلام الأميركي» تقريراً خاصاً تحت عنوان «المنظور الإسلامي لصنع السلام منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر»، ضمن سلسلة التقارير التي يصدرها البرنامج، والتي تخاطب بشكل أساسي المؤسسات ذات الطابع الديني، والعاملة على تعزيز قيم السلام والتسامح ونبذ التطرف والعنف.
يعرض التقرير الذي أعده كل من ديفيد سموك وقمر الهدي لنقطتين أساسيتين أولهما: المدى الذي يستطيع في إطاره قادة الدول الإسلامية، أو الدول ذات الغالبية المسلمة إدانة العنف الذي يمارسه المتطرفون. وثانيهما: التعرف على البرامج والأنشطة والمجهودات المتنامية والمستمرة التي تقوم بها الحكومات والمنظمات التي تُعبر عن المجتمعات الإسلامية لإقرار السلام والاستقرار، وترسيخ المنطق التسامحي في التعامل مع الآخر، وكذلك توضيح الصورة السمحة للدين الإسلامي.
ويشير التقرير في مقدمته إلى أنه رغم أن هناك عنفاً تتبناه بعض الاتجاهات الإسلامية إلا أن ذلك لا ينفي أن ثمة حركة بدأت تنمو وتزداد قوة يتبناها أولئك الذين يمكن وصفهم برعاة وداعمي السلام من المسلمين، ويتفهم كثيرون أن العنف الذي تتبناه الحركات الإسلامية لا يعبر عن قيم المجتمع الإسلامي ككل. وينطلق التقرير من الإيمان بأن التوجهات الإسلامية متعددة في تفسيراتها ومواقفها تجاه أعمال العنف ما بين مستنكر علناً وقلة مؤيدة سراً.
إدانة واسعة
أشار التقرير إلى أن غالبية قيادات الدول المسلمة البارزة منها سواء كانت قيادات رسمية أو دينية، أدانت هجمات سبتمبر، وكذلك أي أحداث عنف أخرى تمت تحت شعار الإسلام، سواء كانت هذه المؤسسات تعبر عن دولة مسلمة شرق أوسطية، أو تلك الجهات الإسلامية التي تعيش في دول غربية وتعبر عن مصالح جاليات مسلمة تعيش في الغرب.
ويسوق التقرير في هذا الصدد أمثلة كثيرة دالة على عمومية تيار الإدانة، بادئاً بنماذج تعبر عن المؤسسات الدينية النشطة في دول غير إسلامية، فيشير إلى أن «مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية» وكذلك «مجلس الفقه لشمال أميركا»، وهو أعلى جهة قضائية إسلامية في الولايات المتحدة، أدانا جميع الأعمال التي تستهدف حياة المدنيين تحت دعوى الإسلام، بل وصل الأمر إلى إصدار فتوى في عام 2007 تصرح بأن جميع أشكال الإرهاب محرمة في الإسلام، ومحرم على المسلم أن يتعاون أو يشترك مع أي شخص أو جماعة متورطة في أي عمل إرهابي أو أعمال عنف، ومن الواجب على المسلمين الإبلاغ عن أي تهديد للمدنيين مما يساعد مهمة السلطات في التعامل مع المسؤولين عن هذا التهديد وتقديمهم للمحاكمة إذا استدعى الأمر ليكون القانون رادعهم، وكذلك المجلس الإسلامي في بريطانيا» أصدر في عام 2007 في ختام مؤتمر جمع أكثر من مئتي قائد من القادة الإسلاميين بياناً يدين فيه أشكال العنف التي تستهدف المدنيين، ويؤكد على نبذ الدين الإسلامي للإرهاب، ويدعو للتعاون فيما بين المسلمين وغير المسلمين لوقف هذا العنف الذي يغذي الانقسام ويعزز الاستقطاب.
وفيما يخص ردود أفعال بعض الأقطاب الدينية في الدول الإسلامية يشير التقرير إلى موقف مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز الشيخ والذي أعلنه في أعقاب أحداث سبتمبر، وتحديداً في الخامس عشر من سبتمبر 2001 ليؤكد على أن مبادئ الإسلام لا تقبل تلك الأعمال الإرهابية التي أساءت له ولمنفذيها، بجانب ما أدلى به الشيخ يوسف القرضاوي أبرز علماء الإسلام المعاصرين ورئيس «مجلس السيرة والسنة» في قطر، واتفاقه في الرأي مع عدد من العلماء العرب البارزين على إصدار فتوى في السابع والعشرين من سبتمبر 2001 تدين الإرهاب، وتدعو المسلمين للتبرع بالدم لضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وعلى الجانب الآخر فقد أدان الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر هذه الاعتداءات وظل موقف الإدانة ثابتاً حتى عام 2007 وعبر عنه الشيخ عز الدين الخطيب التميمي رئيس العدالة الإسلامية في الأردن في رسالة دعا فيها المسلمين في العالم لرفض ونبذ التطرف الديني، والعمل على إبراز الرسالة السمحة للإسلام. إضافة إلى ذلك رصد التقرير لمواقف دعاة بارزين يُعتبرون من التيار المحافظ الإسلامي في الهند بإصدار فتوى تعلن رفض الإسلام لأشكال العنف والإرهاب كافة.
وعلى المستوى الرسمي الحكومي ظلت إدانة الإرهاب والدعوة لنبذ التطرف بأشكاله كافة هي السمة الأساسية لمواقف رؤساء مصر، وليبيا، وسورية، والأردن، والمملكة العربية السعودية، والكويت، وإندونيسيا، وكذلك الرئيس السابق لإيران محمد خاتمي الذي أعرب عقب الهجمات عن أسفه وتعاطفه مع الشعب الأميركي.
وعلى مستوى العمل السياسي متعدد الأطراف نجد الإدانة الفورية من قبل «منظمة المؤتمر الإسلامي» (التي تضم 75 دولة) لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، بالإضافة إلى إصدارها وثيقة لمكافحة الإرهاب الدولي.
ومع سيادة تيار الإدانة على المستوى الديني والحكومي، أصبح الحديث عن أدوات وآليات وقنوات توضح الصورة الحقيقية للإسلام، وتعبر عن هذه التوجهات أمراً ضروريّاً سواء كانت تلك الآليات على المستوى الإسلامي ـ الإسلامي، أو الإسلامي ـ غير الإسلامي، وبينما يفيد التقرير بأن مثل هذه المحاولات التعريفية بموقف الأديان من العنف والإرهاب كانت موجودة قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلا أن هذه الأحداث شكلت نقطة تحول لصالح تكثيف وتعدد هذه الآليات والبرامج وزيادة إعداد المشاركين فيها.
ويشير التقرير بشكل أساسي إلى أربعة مجالات أساسية لتحقيق هذا الغرض هي: إرساء قنوات للحوار لتعزيز قيم السلام والتسامح، التجديد في التفسيرات الدينية الإسلامية لأعمال العنف وأشكال الإرهاب، برامج التعليم، الأنشطة والبرامج على أرض الواقع التي تم تنفيذها في مجال صنع السلام.
مؤتمرات ومنتديات
يؤكد التقرير على أهمية تبني وتنظيم قنوات للحوار تهدف لدعم التسامح كضرورة على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية كافة. فيشير التقرير إلى أنه قبل أحداث سبتمبر كانت مثل هذه المنتديات والمؤتمرات تركز بشكل أساسي على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين كما ظهر ذلك في أنشطة الفاتيكان، أو تأسيس منتدى للحوار الإسلامي - المسيحي عام 1998 في باكستان، أو «منتدى العلماء والأساقفة» الذي ينعقد منذ عام 1996 في الفلبين، وكان له دور في تعزيز اتفاقيات السلام بين الحكومة الفلبينية وجبهة مورو.
وبعد أحداث سبتمبر 2001 وحتى عام 2008 تتابع انعقاد كثيرٍ من المؤتمرات والمنتديات التي ترعى الحوار بين الأديان المختلفة، واختلفت الجبهات التي تنظمها، ما بين جهات أوروبية وعربية ودينية إسلامية، أو مسيحية، أو رسمية، أو أممية، كالأمم المتحدة مثلاً، وإن تشابهت الغايات المعلنة.
ويرى التقرير أن كثافة عقد المنتديات واتساع قاعدة المشاركين قد أتى كثيراً من ثماره التي تمثلت في تكوين كوادر في مجال صنع السلام المبني على التسامح، وشيوع ثقافة الحوار مع الآخر، ودَرَأَ تهم الإرهاب والعنف التي تم توجيهها إلى دين أو عرق أو طائفة بعينها نتيجة لقيام هذه القنوات بالبحث عن أرضية مشتركة بين الأطراف المهتمة والحاضرة المشاركة في مثل هذه الأنشطة ومن خلال التعرض لقضايا ذات اهتمام مشترك كالتعليم وبناء السلام وتعزيز التضامن والتفاهم بين الجماعات والثقافات المختلفة، ويسوق التقرير أمثلة لهذه القنوات الحوارية منذ 2001.
كلمة مشتركة
تم إنشاء مركز «الأبحاث الأردني للتعايش والتسامح» في 2003، والذي يعمل من خلال أنشطته وأبحاثه ومبادراته على دعم ثقافة الحوار والتسامح، وينظم مؤتمراً سنويّاً للقادة المسلمين والمسيحيين من الشرق الأوسط تحت رعاية الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، كما شهد عام 2005 تحت رعاية كل من رئيسي المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي إطلاق مبادرة تدعو رجال دين للأديان السماوية الثلاثة للاجتماع سنويّاً لمناقشة قضايا ذات اهتمام مشترك مثل مناقشة المنظور الديني لقضايا معاصرة مثل قضية التغير المناخي. وفي عام 2008 تم تنظيم أول اجتماع تحت شعار المبادرة الوطنية المسيحية الإسلامية في شمال أميركا.
يعتبر التقرير أن أكبر وأهم المبادرات الإسلامية لتعزيز الحوار كانت في عام 2007 حيث تم إصدار وثيقة تحت عنوان «كلمة مشتركة بيننا وبينكم» موجهة للمسيحيين في العالم، وقام بالتوقيع عليها ما يقرب من 138 عالم إسلامي وإمام ومثقف تبرز أن هناك أرضية مشتركة بين الإسلام والمسيحية منذ مهد الإسلام تسمح بالتعايش والتسامح والتعاون، وكان لهذه الوثيقة تبعاتها الإيجابية حيث قامت جامعة ييل الأميركية بعقد مؤتمر في عام 2008 يناقش الوثيقة الصادرة من هذه المبادرة، كما استضاف الفاتيكان منتدى إسلامياً كاثوليكياً على غرار هذه المبادرة في عام 2008 ذاته.
التحالف بين الحضارات
في عام 2004 أنشأ الرئيس محمد خاتمي المعهد الدولي للحوار بين الثقافات والحضارات مقره إيران. والمبنية على أطروحته التي أطلقها في 2001 للحوار بين الحضارات كبديل لأطروحة صراع الحضارات، وقد أعلنت الأمم المتحدة هذا العام كعام الحوار بين الحضارات. وفي عام 2005 وبمبادرة من الحكومتين الأسبانية والتركية وبرعاية من منظمة الأمم المتحدة تم إطلاق مبادرة التحالف بين الحضارات. هذا التحالف وجد دعم 85 جهة ما بين دول ومنظمات دولية. وقد أشارت وثيقة مهام التحالف إلى أن هدفه هو العمل على تعزيز التفاهم ما بين المجتمعات المختلفة، وبشكل خاص وليس حصريّاً تعزيز التفاهم بين المجتمعات الإسلامية والغربية، إلا أن مبادرة الملك عبد الله ملك المملكة العربية السعودية لعقد مؤتمر بين معتنقي الأديان تحت مظلة الأمم المتحدة، كانت الأبرز في هذا المجال لكون السعودية الدولة الإسلامية الأكبر، وذات مكانة روحية لدى المسلمين.
اليهود والمسلمون
قام عدد من علماء الإسلام الأوروبيين والمفتي الأكبر للبوسنة في عام 2008 بتوجيه خطاب إلى الجماعة اليهودية في 2008 يوضح اشتراك الدين الإسلامي واليهودي في المعتقدات الأساسية، وهذا الخطاب موجه إلى نخبة الحاخامات اليهود بشكل خاص والمجتمع اليهودي بشكل عام، ويركز الخطاب على الأرضية المشتركة بينهما مما يمهد لتعزيز الحوار. وفي الإطار ذاته أصدر المجلس الإسلامي الأعلى في أيرلندا بياناً في يوم إحياء ذكرى الهولوكوست عام 2008 يرى أن اليهود والمسلمين عاشوا في سلام نسبي وتفاهم إلى أن حدث الصراع في الشرق الأوسط، مذكراً بأن الهولوكوست كان نتيجة حتمية لإخفاق مجتمع اندثر فيه التسامح مما جعله فاشلاً في احتواء مجموعة أصلية من السكان والحفاظ على حقوقها. وفي داخل الولايات المتحدة الأميركية تعددت وتنوعت هذه الأنشطة والمبادرات التي أطلقها المجتمع الإسلامي في داخل أميركا وكذلك المنظمات اليهودية والمسيحية. ففي عام 2008 نظم المجتمع الإسلامي لشمال أميركا بالتعاون مع «الاتحاد من أجل إصلاح اليهودية» حواراً بين المسلمين واليهود، للتغلب على الصورة التي استطاعت أن ترسم الدين على أنه قوة مفرقة في المجتمعات لا جامعة. وفي عام 2007 نظمت مؤسسة التفاهم الطائفي» في نيويورك أول قمة وطنية جمعت أئمة ورجال دين يهود.
مشاريع أكاديمية
يشير التقرير إلى الاختلاف في تفسيرات وتأويلات علماء الدين في قضايا كالجهاد ومشروعية العنف كأداة للتعبير عن توجه أو مصالح جماعة معينة في مواجهة عدوان أو في حالات أخرى. ويشير كذلك إلى الاختلاف ما بين السنة والشيعة حول القضايا ذاتها، إلا أن التقرير يرى أن الاتجاه العام الذي ساد هذه الاجتهادات هو محاولة انتقاد الآراء التي تشجع على العنف وتفسير النصوص التي تدفع في اتجاه نبذ التسامح وينكر العلاقة مع الآخر المختلف في الدين ويرى أن هذه المحاولات التجديدية كان لها قنواتها المتعددة فشملت:
أولاً: مشاريع أكاديمية تجديدية، كالمشروع الذي ينفذه فريق عمل من جامعة أنقرة بحيث يعمل ويبحث عن السيرة الذاتية للرسول عليه الصلاة والسلام ويضع المواقف والأحاديث الواردة فيها في سياقها التاريخي، بما يوضح كيف يمكن لهذه الأطر الإجابة عن التساؤلات والتحديات المعاصرة بشكل آخر عبر عنه أحد القائمين على هذا المشروع مهمر غورميز معتبراً أن هذا المشروع يعمل على إبراز القيمة المجردة التي تحملها السيرة بقطع النظر عن علاقتها بزمن أو جغرافيا أو ثقافة الموقف بمعناه الضيق.
ثانياً: آراء وتصريحات كبار علماء الإسلام المعاصرين، فنجد آراء وتصريحات الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية توضح أن مرونة وموائمة القوانين الإسلامية هي أبرز سمات هذا الدين وهو ما ينفي التناقض المفتعل بين متطلبات الحياة الحديثة وأصول ومبادئ الإسلام.
ثالثاً: الدور التثقيفي للمساجد خاصة في الدول غير الإسلامية؛ من خلال تنظيم الدروس والمحاضرات التي تتحدث عن رفض الإسلام للعنف والإرهاب كأدوات للتعبير عن آرائها وإحباطاتها تجاه السياسة الخارجية الأميركية. ويسوق التقرير مثالاً في هذا الصدد بإمام مسجد في ولاية فيرجينيا.
رابعاً: الخطاب الديني المعاصر أو ما عرف في فترة من الفترات بالدعاة الجدد والذين لهم شعبيتهم الإعلامية في العالم الإسلامي خاصة العربي. ويعتبر التقرير أن عمرو خالد ومعز مسعود وغيرهم ممن استطاعوا الوصول إلى قنوات إعلامية لها صبغتها الدينية، قد استطاعوا تعزيز وتوضيح الصورة السمحة والمعاصرة للدين الإسلامي.
خامساً: تأسيس منظمات أهلية تعمل على تعزيز فكرة الوسطية الدينية، وهو ما ظهر جليّاً في تجريد تأسيس الحركة الوسطية للشباب الفلسطيني والتي تعني بإعلاء موقف الإسلام الداعم للوسطية ودعم السلام.
التعليم هو الحل
بالاضافة إلى تأسيس قنوات للحوار وتجديد الخطاب الديني، جاءت برامج التعليم كأحد أدوات صنع السلام من المنظور الإسلامي، وما إن نتحدث عن برامج التعليم وعلاقته بالإرهاب والعنف من منظور الدين الإسلامي حتى يظهر، في أغلب الكتابات الغربية، نظام المدارس الدينية المعمول به في أفغانستان وباكستان وإندونيسيا كأحد أبرز المتهمين بتهم تصدير العنف الفكري لدى طلبتها من منطلقات دينية، وبالتالي تظهر الحاجة الشديدة إلى تعليم مواد تعتمد على التسامح والتعددية وبناء السلام.
فيشير التقرير في هذا الصدد إلى البرامج التي دعمها معهد «السلام الأميركي»، ناشر للتقرير، والتي تشمل العمل مع علماء بارزين من باكستان لتأليف كتاب عن تعليم قيم وممارسات السلام المبني على التقاليد الإسلامية، وذلك في إطار احتواء العنف الطائفي السني ـ الشيعي في باكستان كما قام المعهد بالتعاون مع بعض المدارس الدينية في أفغانستان لتدريب المعلمين ومساعدتهم على تطوير مهارات الطلبة في هذه المدارس المتعلقة بقضايا وبثقافة السلام، وحل الصراعات، والتسامح، والتعددية، والديموقراطية، وحقوق الإنسان.
وفي إطار مشابه فإن المركز الدولي الإسلام والتعددية» والذي تأسس في جاكرتا / إندونيسيا في عام 2003 ويمتد عمله لماليزيا، وبنجلاديش، وتايلاند، والفلبين قام بتطوير نصوص وكتب عن التسامح في الإسلام ليتم الاستفادة بها من قبل المعلمين والطلاب في المدارس الدينية في جنوب شرق آسيا. وفي إطار برامج التثقيف تظهر مجهودات منظمات أخرى إقليمية ومحلية مثل معهد «وحيد» والذي أسسه الرئيس السابق لإندونيسيا عبد الرحمن وحيد، بالإضافة إلى منظمات أخرى في تركيا، وأخرى في إندونيسيا، التي تركز أنشطتها في إنشاء مدارس ودعم برامج تعليمية تدعو للتسامح والتعددية في إطار الإسلام، وتنظيم ورشات عمل ودورات تدريبية للقائمين على العملية التعليمية، وإصدار كتيبات ومنشورات ومطبوعات أخرى تخدم هذا الهدف. وعلى المستوى الحكومي قامت الحكومة المغربية متمثلة في وزارة الشؤون الدينية بتبني برنامج في عام 2008 لإرسال عدد من الأئمة إلى أوروبا موجهين إلى المهاجرين المغاربة في أوروبا هدفهم توضيح تعاليم الإسلام الخاصة بالسلام، بالإضافة إلى تبني حكومتي اليمن، والسعودية برامج للمراجعة الفكرية موجهة لجهاديين وأعضاء سابقين في جماعات اتخذت من الإسلام مبرراً لأعمال العنف وغالبيتهم من المعتقلين في السجون.
دعم المؤسسات
غالبية المنظمات العاملة في مجالات تعزيز التسامح والحوار ومفهوم قبول الآخر وبناء السلام بالمنظور الإسلامي، تعتمد في برامجها على القيام بأبحاث ونشر المقالات والدراسات الداعمة لأفكارها وتنظيم ورشات العمل حول إدارة الصراع. ودراسات السلام توجه إلى شباب العاملين في المجال الأهلي ونشطي حقوق الإنسان ومثقفين وقادة مجتمعات. وتركز على العلاقة بين الأطراف الإسلامية وغير الإسلامية. وكذلك تنظيم حملات دعائية. بالإضافة إلى تقديم خدمات ومشاريع تخدم المجتمع وتفي باحتياجات من فيه دون تفرقة على أساس طائفي، أو ديني، أو تدريب شباب القادة الدينيين. ومن ناحية أخرى تنظيم حوار وطني في حالات الدول التي تعاني من تداعيات ما بعد الصراع. ويشير التقرير إلى مجهودات مثمرة لمؤسسات مثل «المعهد الملكي لدراسات التسامح» في الأردن، و«مؤسسة الإمام شمس الدين للحوار» في لبنان، و«شبكة أغاخان للتنمية»، و«شبكة العمل الإسلامي الآسيوي» في تايلاند، و«منظمة أخوات في الإسلام» في ماليزيا.
بل إن دراسة ميدانية أعدها «معهد سلام» ترى أن أنشطة وبرامج أكثر من 50 منظمة إسلامية عاملة في مجال بناء السلام، أسهمت في نشر قيم كالديموقراطية، وحقوق الإنسان، وبناء السلام، وكذلك الوساطة فيما بين أطراف متنازعة، ودعم جهود المصالحة، وشواهد ذلك ما قام به «المركز الدولي للإسلام والتعددية» من جهود الوساطة وتيسير محادثات السلام في إندونيسيا، وكذلك ما قام به «مركز وساطة الأديان» في نيجيريا من إسهامه في إنهاء العنف الديني في أجزاء مختلفة من الدولة، وكذلك «لجنة وساطة الأديان» في ليبيريا. ومجهودات مماثلة في أوغندا.
وبشكل عام فإنه رغم من الزيادة التي يشهدها عدد المنظمات الإسلامية العاملة في مجال بناء السلام. إلا أن قدراتها المالية مازالت غير كبيرة، وعلى المانحين الدوليين استغلال الفرص التي يتيحها المناخ العام الفكري السائد على المستوى الرسمي وغير الرسمي، الذي يدين الأعمال الإرهابية وأشكال العنف المختلفة، ويؤكد على تناقض المبادئ الإسلامية وهذه الأفعال، بأن يقدم الدعم والمنح لهذه المؤسسات التي تستطيع أن تقوم بدور كبير في دعم مفاهيم وأساليب التعددية والتسامح في المجتمع الإسلامي، وعلى القادة في الدول الإسلامية إفساح المجال لعمل هذه المنظمات والتنسيق فيما بين المنظمات الإسلامية على المستوى المحلي، والإقليمي، والدولي لمواجهة التطرف في منظور إسلامي بعيداً عن حسابات الربح والخسارة السياسية لبعض الدول التي ترعى مثل هذه الأنشطة.
* عن «تقرير واشنطن»