مفتي جبل لبنان قال إنه «علينا تخطي التحديات التي يترتب عليها وجودنا عالمياً»
جوزو لـ «الراي»: البنوك الإسلامية لا ترقى إلى المستوى الذي تدعيه من التزامها بأحكام الشريعة
1 يناير 1970
06:22 م
| القاهرة - من حنان عبدالهادي |
أكد مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي جوزو أنه من العجيب أن يظل المسلمون مختلفين حول تحديد مفاهيم الحكم فيها إلى القرآن والسُنة، وقد انقسموا إلى فرق متباينة، وانعكس اختلافهم سلباً على حياة المسلمين في كل مكان. مؤكداً، في حوار مع «الراي» في القاهرة، أن المنظومة الأخلاقية في الإسلام تحتاج لمنهج تربوي حديث يساعد على تكوين الشخصية الإسلامية من جديد.
وأشار إلى أن أبناء المذاهب السابقة تحاوروا، ولم يصلوا إلى شيء، وهناك طرف يعتقد أن الفرصة سانحة أمامه لفرض نفسه على الساحة العربية الآن.
مطالباً بضرورة إنشاء هيئة عالمية من جميع بلاد المسلمين من أجل أن تتدخل لتضع القواعد الصحيحة للمعاملات في جميع الاتجاهات، وخاصة المعاملات الفقهية والمالية. وهذا نص ما دار معه من حوار:
• رغم وجود ثوابت إيمانية لكن هناك بعض الفرق الإسلامية التي اختلفت على هذه الثوابت فلماذا جاء هذا الاختلاف في المفاهيم؟
- ونحن نتحدث عن الإسلام نتساءل عن أي إسلام نتحدث عنه، وأي إسلام نريد... خاصة عندما يتصل الأمر بالتجديد والحداثة فهناك اختلاف كبير حول المفاهيم، ما يجعلنا نسأل: هل الإيمان قضية نسبية يفسرها كل فريق على طريقته أم حسب أهدافه، وهل الإيمان بالله قضية نسبية حتى يصبح لكل إنسان حقه في تحديد حقيقة هذا الإيمان، وهل الوحي قضية نسبية يحق لنا أن نجادل فيها، وأن نختلف حولها، وأن يصل كل فريق إلى قناعات خاصة به تختلف عن قناعات الآخرين؟ يقول الله عز وجل: «ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير» الشورى.
فالإيمان بالله إيمان بالغيب، إيمان الوحي وإيمان باليوم الآخر، وهذه كلها من الثوابت عند المسلمين، فلماذا تعددت المدارس في تفسير حقيقة هذا الإيمان، ولماذا اختلف المسلمون فيما بينهم، وشغلوا أنفسهم لفترات طويلة من الزمن حول قضايا تعتبر من المسلمات لأنها من الغيب. ولأن القرآن، وهو كلام الله المنزل على رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وهو الحَكَم في تحديد هذه المفاهيم، فإن من العجب العجاب أن يظل المسلمون مختلفين حولها إلى يومنا هذا، وقد انقسموا إلى فرق متباينة، وانعكس اختلافهم سلباً على حياة المسلمين في كل مكان. ولا نزال حتى اليوم نتجادل ويدعي كل فريق أنه على حق، وأن الآخر على باطل، ويدعي كل فريق أنه ينتمي إلى الفرقة الناجية، وأن الآخرين سيذهبون إلى النار، وتتعدد الأحزاب، وتتعدد المدارس وتتعدد الآراء، والعالم من حولنا يتقدم، ونحن لا نزال مختلفين ومتخلفين إلى يومنا هذا.
• في الوقت الحالي تطرح بشدة قضية تجديد الفكر الإسلامي فكيف ترى تلك القضية مع الاختلاف حول المفاهيم لدى بعض المسلمين؟
- نحن نقف أمام بعض الثوابت والبدهيات ونختلف حولها، ونشغل وقتنا في هذا الخلاف، وإذا طرحت قضية التجديد فإننا نختلف حولها أيضاً، منهم من يعتبر التجديد ضرورة، ومنهم من يعتبره تحريفاً. فإذا قلنا إن التجديد لا يتصل بالثوابت، وعلينا أن ننتهي من هذه القضية بعد أن مر عليها 1500 عام، فإن التقليديين يثورون ويعتبرون ذلك افتئاتاً على الدين وجرأة عليه، والعالم كله من حولنا يتحرك، ويتغير ويخطو خطوات حثيثة في ميدان التطور والتقدم في جميع المجالات الإنسانية، والاجتماعية، والاقتصادية. ونحن لا نزال نخضع لعوالم التخلف الذهني والفكري، حتى بين أهل السُنة والجماعة، فكيف بما هو قائم الآن بين أهل السُنة والجماعة وبين الفرق الأخرى التي تجتر المآسي والمشكلات التي وقعت في تاريخنا لتعمق الخلاف أكثر فأكثر، وتقيم الحروب من أجلها، حتى التاريخ لم نعفه من خلافنا.
• هل تجديد الفكر الإسلامي يساعد على منع الانقسام الذي تواجهه الساحة الإسلامية أم يزيد الفجوة اتساعاً؟
- تعددت المدارس عند أهل السُنة والجماعة، والتجديد يقتضي أن نتفق على مفهوم واحد لأهل السُنة والجماعة، هذا المفهوم اختلف من فريق إلى آخر، وأصبح سبباً في الانقسام الكبير الذي نواجهه على الساحة الإسلامية، ليس بين بلد إسلامي وآخر بل بين أبناء البلد الواحد، حتى إن بعض المدارس لجأت إلى تكفير غيرها تحت شعار أنها وحدها تمتلك حق التحدث باسم أهل السُنة والجماعة، وهذا ناشئ ولا شك عن الاختلاف فيما يسمونه «علم الكلام» سواء من رفضه أو من كان مؤمناً به. فهل يجوز أن نظل في ميدان علم الكلام، خاصة حول الصفات والذات، أي القضايا العينية ونحن نوجه أخطر التحديات التي يترتب عليها وجودنا في هذا العالم، فهل هذا يخدم أمتنا أم يؤخرها؟ لقد رأينا كيف وجه أستاذنا الشيخ محمد الغزالي نقده لهذا الأمر، وكيف بين أننا شغلنا عن التقدم في عالم الشهادة بالبحث عن عالم الغيب.
• كيف نواجه ظاهرة تضارب الفتوى في العالم الإسلامي التي تؤدي بالمسلمين لمزيد من الحيرة في أمورهم؟
- إذا انتقلنا إلى الفقه لوجدنا تخبطاً وخلافاً كبيراً حول ما استجد في مجال الواقع المعاش ما يحتاج إلى دراسة جادة تخرج بنا من الجدل وتضارب الفتاوى وحتى وقع الناس في حيرة من أمورهم لكثرة ما سمعوا من آراء، وأبسط هذه القضايا، وأكثرها تعقيداً، قضية الربا، وتعريف الربا، وهل ما تتعاطاه البنوك من أمور، وما تتعامل به مع الناس هو الربا المحرم، أم يختلف عن الربا الذي عرف في صدر الإسلام، أو في الجاهلية، وإلى من يذهب الناس في معرفة أحكام الدين في هذه المسألة إلى فضيلة شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي، الذي يرى أن معاملات البنوك ليست كلها من الربا، وأن الربح المحدد، الذي يعطيه البنك هو حلال، وليس فيه ما يريب، وأنه يختلف عن الربا في الجاهلية، وفي صدر الإسلام، أم يذهب إلى أولئك الذين يعارضونه من كبار العلماء ويروجون للبنوك الإسلامية التي تدعي أن معاملاتها تقوم على المضاربة، وعلى الربح والخسارة. أي الرأيين أصح، وكيف ننقذ الناس من التخبط في هذا المجال، وجلهم يتعامل مع البنوك، وإذا قارنا بين معاملات البنوك الإسلامية، والبنوك العلمية وجدنا أن البنوك الإسلامية لا ترقى إلى المستوى الذي تدعيه من التزامها بأحكام الشريعة الإسلامية وتؤكد أن هناك استغلالاً للعنوان الديني لايجوز السكوت عنه.
• فكيف يمكننا إذا أن نحل مشكلة معاملات البنوك من الناحية الإسلامية الصحيحة؟
- إن ظاهرة الشركات الإسلامية وتوظيف الأموال كشفت أن الأرباح الحلال في هذه الشركات تفوق عشرات المرات التي تقدمها البنوك من أرباح، ما هدد البنوك الوطنية بالإفلاس، ودفع إلى مصادرة تلك الشركات حتى لا تؤثر على هذه البنوك، وهنا يجب أن يتخذ موقف حاسم وحازم، وأن تنشأ هيئة عالمية من جميع بلاد العالم الإسلامي موثوق بها تتدخل لتضع القواعد الصحيحة بالنسبة إلى معاملات البنوك التي هي أقرب إلى الشريعة الإسلامية من غيرها دون انحياز ودون اندفاع أو تحامل، وهنا مأساة تقلق الناس جميعاً، وهي ربا البنوك التي ينفي فضيلة الإمام الأكبر أنها من الربا.
• لدينا العديد من المجامع الفقهية العالمية، فلماذا دعوتم إلى إقامة مجمع فقهي عالمي خاص الآن؟
- هناك مشكلات مستحدثة تحتاج إلى عرضها على مجمع فقهي عالمي يصل فيها إلى نتائج نهائية تنقذ الناس من التخبط والقلق... يأتي إلينا شباب يعملون في الخارج، في المطاعم، أو المقاهي، أو في الفنادق، وهذه الأماكن تقدم الخمر للزبائن، كما توجد فيها صالات للقمار فما حكم العمل فيها وهل هي حلال أم حرام، حتى الشركات التي تتعامل مع البنوك يأتي إلينا من يعمل فيها ويسألنا السؤال نفسه. حتى قضايا الأحوال الشخصية تحتاج إلى دراسة جديدة لأن أحكام الأحوال الشخصية تختلف من دولة إلى دولة، ما يجعل الناس حائرين أمام هذا الاختلاف. هناك قضايا كثيرة يعيشها المسلمون في بلادنا وفي بلاد الغرب تصادفنا في حياتنا ويطلب الناس حلاّ لها وكلها تحتاج إلى نوع جديد من البحث وهذا يحتم أن يتفق المسلمون على إقامة مجمع فقهي عالمي ينال ثقة المسلمين في مختلف ديارهم للبحث عن حلول لما يواجه الناس من مشكلات.
• إذا كنا نتحدث عن ضرورة تجديد الفكر الإسلامي ألا يتطلب ذلك أيضا تجديد الخطاب الديني؟
- الخطاب الإسلامي ينبغي له أن يتجدد فلا ينغلق على نفسه، ولا يتجمد، ولا يتحجر، ولا يرشق الناس بالحجارة، ويكفر هذا ويفسق ذاك دون محتوى فكري أو إنساني، الخطاب الإسلامي يحتاج إلى ثقافة العصر، ومفاهيم العصر، لكن يتعامل مع الثقافة الإسلامية، والثوابت الإسلامية لتشكل مزيجاً حضارياً يشد الجيل الجديد إلى قيم الإسلام ومبادئه دون تزمت، ولا تعصب، ولا تحزب لأي حزب أو جمعية، أو دولة، أو فريق.
• إذاً ما هي خصائص الخطاب الديني الصحيح، الذي ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار؟
- من خصائص هذا الخطاب أنه يؤمن بالله، ولا يُكفر الإنسان، ويؤمن بالوحي، ولا يُغيّب العقل، ويدعو إلى الروحانية، ولا يهمل المادية، ويعنى بالعبادات الشعائرية ولا يغفل القيم الأخلاقية، ويدعو إلى الاعتزار بالعقيدة، وإلى إشاعة التسامح، والحب ويغري بالمثال ولا يتجاهل الواقع، ويدعو إلى الجد والاستقامة، ولا ينسى اللهو والترويح عن النفس، ويتبنى العالمية ولا يغفل المحلية، ويحرض على المعاصرة ويتمسك بالأصالة، ويستشرف المستقبل ولا يتنكر للماضي، ويتبنى التيسير في الفتوى والتبشير في الدعوة، ويدعو إلى الاجتهاد ولا يتعدى الثوابت، وينكر الإرهاب الممنوع ويؤيد الجهاد المشروع.
ومن خصائصه أيضاً أن ينصف المرأة، ولا يجور على الرجل، ويصون حقوق الأقلية، ولا يحيف على الأكثرية، وكنت أود أن أزيد بألا يتعصب، ولا يتحزب المسلم إلى حزب أو جماعة، وأن يبتعد عن الفتن ما ظهر منها وما بطن لينجح في دعوته، ويقبله الناس، وألا يكون أداة في يد الآخرين يحركونه لصالح هذه الدولة أو تلك، مأساتنا اليوم أن الإسلام أصبح وسيلة عند بعض الدول لتحقيق أهدافها السياسية ضد المسلمين أنفسهم.
• هناك دعوة متزايدة الآن ليتحاور أصحاب المذاهب المختلفة فهل تعتقد أن ذلك الحوار يمكن أن يكون مجديا وفعالا الآن؟
- حدث أن تحاور أبناء المذاهب المختلفة ولم يصلوا لشيء، وهناك طرف يعتقد أن الفرصة سانحة أمامه الآن لكي يفرض نفسه وآراءه على الساحة العربية، لأن الساحة العربية مشغولة الآن بقضية فلسطين واليهود لذلك جاء هذا الطرف وبدأ يتدخل بشكل عسكري على الساحة، وليس بشكل فكري، وهذا لا يبشر بخير فالحوار بيننا وبينهم يعتمد على منطق القوة والمال والتبشير بمذهبه الذي يجيء به.