كلما أردت أن أكتب عن هذه القضية، التي سأطرحها الآن، اتردد كثيرا، وأقول لنفسي ربما تنتهي بعد أشهر قليلة، ولكن لكل مشكلة حد، ولكل ظاهرة انفراج، والقانون هنا يجب ان يطبق حتى تختفي هذه الظاهرة، الا وهي مشكلة «الروائح الكريهة» الواقعة في منطقة العاصمة تحديدا، والتي لا تزال في مجدها منذ اعوام عديدة، وهواؤها اصبح لا يطاق ويصيب المارة بالاختناق، وتكرار هذه الظاهرة المزمنة أظهرت فعلا مدى عجز الأداء الحكومي في التعامل معها ومعالجة اثارها في ظل الانتهاك الواضح للبيئة الكويتية، الا ان المسؤولين عن انبعاث هذه السموم لا يريدون في الحقيقة انهاء هذه المشكلة، رغم وجود آليات من الممكن اتباعها في تطبيق القانون، وهذا ان دل على شيء فانه يدل على الغياب التام لدور الرقابة والمتابعة في اجهزة الدولة لبعض المشاريع الموجودة في العاصمة قرب قصر دسمان، خصوصا وزارة الاشغال العامة، وبلدية الكويت، والهيئة العامة للبيئة، والمؤسسة العامة للرعاية السكنية، وقد يعتقد البعض منا ان الروائح الكريهة المزمنة في العاصمة منبعثة من شبكات المجاري هناك، وهذا ليس مستغربا، لان الرائحة التي تضرر منها اصحاب المحلات التجارية هناك شبيهة برائحة المجاري جدا، لذلك يتساءل الناس الذين يمرون في هذه الاماكن عن سبب انبعاث هذه الروائح الكريهة؟ وفي الحقيقة هي تنبعث من غاز كبريتيد الهيدروجين الموجود في المياه الجوفية لبعض المشاريع الكبرى الموجودة بالقرب من دسمان، والتي أساسها هؤلاء المستثمرون الذين لا يريدون الامتثال إلى تعليمات وشروط الجهات الحكومية المختصة حتى وان ارتفعت الشكاوى، ومن هنا استغرب من سكوت «الهيئة العامة للبيئة» عن انتهاك هذه الشركات لابسط وقواعد السلامة البيئية؟ ناهيك عن عدم انتهاج وزارة الاشغال الحزم والشدة مع اصحاب هذه المشاريع، ولتوفير المال والجهد، يقوم اصحاب المشاريع القائمة بانتهاك القانون عن طريق نقل المياه الجوفية بواسطة صهاريج إلى شبكة المجاري الذي يزيد من انبعاث الرائحة، او إلى شبكة الامطار من دون معالجتها بصورة صحيحة وبالتالي تتلوث مياه البحر ايضا.
من الواضح عدم وجود تنسيق بين مسؤولي وزارة الاشغال و«الهيئة العامة للبيئة»، وبلدية الكويت تماما، فعلى حد علمي ان معهد الكويت للابحاث العلمية قد قدم دراسات عديدة حول هذه الظاهرة، واقترح الحلول المناسبة لها للتخلص منها، ولا ادري هنا ما السبب في عدم استفادة الجهات الرسمية ذات العلاقة من هذه الدراسات المتخصصة لتطبيق توصياتها واقتراحاتها لحل المشكلة، ان جشع المستثمرين واخلالهم بالالتزامات المطلوبة منهم ادى إلى انبعاث غاز كبريتيد الهيدروجين الذي تضرر منه آلاف البشر الموجودين في مناطق مهمة في البلاد كالعاصمة، وبنيد القار، والسالمية، والرميثية، وشارع عمان وسلوى، وكلها مناطق ذات كثافة سكانية عالية، والسؤال هنا هل استطاعت تلك الجهات المسؤولة ان تطبق عليهم اقصى العقوبات وهل هناك دراسات حكومية اخرى تمنع ظاهرة انبعاث الروائح الكريهة عند البدء في تنفيذ اي مشروع استثماري او تجاري مستقبلا؟ ان فصل الصيف الحار مقبل، والرطوبة غالبا ما تسيطر على معظم الاشهر الصيفية وبالتالي ستزداد هذه الروائح الكريهة انتشارا ما يؤدي إلى هروب عدد كبير من سكان هذه المناطق إلى مناطق مجاورة تكون اكثر هدوءا، وأكثر نقاوة في الهواء، ولن يتضرر سوى اصحاب المحلات التجارية المحيطة بهذه المشاريع... والشكوى لله!
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]