مشاهد / تواريخ العمر

1 يناير 1970 11:33 م
| يوسف القعيد |
وأنا أيضاً... لديّ قصة عن جبرا إبراهيم جبرا، لم أدونها من قبل.
وعندي بعض التأملات... حول حياته وأدبه ومشروعه الثقافي الذي حاول تأسيسه عبر سنوات عمره.
هذه قصتي معه أولاً. التي هي جزء من قصتي أنا.
في الخامس عشر من مايو سنة 1969... صدرت روايتي الأولى «الحداد»، أتعجب الآن من التاريخ. نحن لا نختار تواريخ العمر الأساسية. سواء الميلاد أو الموت. وصدور روايتي الأولى كان ميلاداً ثانياً لي. ولكن الظروف رتبت نفسها... بحيث يصبح صدور الرواية في يوم هو نفسه يوم ضياع فلسطين. ثم أصبح هذا اليوم نفسه موعد احتفال العدو الإسرائيلي في سفارته التي اغتصبت لنفسها مكاناً على الضفة الغربية لنهر النيل. بقيام الدولة التي اغتصبت فلسطين منا. إنه اليوم نفسه واليوم ذاته نحن نحتفل فيه بضياع فلسطين. إن كان للفقد احتفال. خاصة عندما يكون فقد وطن بأكمله. وهم يحتفلون باغتصابهم لها وزرع إسرائيل مكانها.
ما أقوله... ليس بعيداً عن صلب حكايتي مع جبرا. فأوراق الحياة تتجمع وتتباعد وتلتقى وتتنافر بطريقة من الصعب وضع قوانين لها. فالرجل ابن فلسطين أولاً وأخيراً.
صدرت روايتي الأولى... وأنا مجند في جيش عبدالناصر العظيم. فأنا من الدفعة التي جندت في ديسمبر 1965، وكان من المفروض أن تسرح في مايو 1967، ولكن إعلان حالة التأهب القصوي في ذلك الوقت أجل تسريحنا. ثم جاءت نكسة 67 وأعلن عبدالناصر أن مجنداً واحداً لم يخرج من القوات المسلحة، إلا بعد تحرير كامل التراب الوطني من دنس الاحتلال الصهيوني، وهكذا بقينا في القوات المسلحة حتى 74.
كانت الرواية... قد طبعناها ضمن مشروع أسسناه معاً: سمير أحمد ندا وجمال الغيطاني وكاتب هذه السطور. وأسميناه كتاب «الطليعة»، كان ذلك لمواجهة أزمة النشر. كانت دور النشر الخاصة قليلة. ولكل دار كتابها من أصحاب الأسماء الراسخة من الأجيال القديمة. ودور النشر العامة التابعة للدولة أمامها طوابير لأعمال مؤلفين تنتظر الصدور. كان العمل حتى لو كان جيداً ينتظر سنوات وسنوات إلى أن يصدر. ما دام كاتبه شاباً شبه مجهول أو مجهول لا يعرفه أحد.
ولم يكن الاختراع الحالي وهو أن يطبع المؤلف عمله على حسابه. لدى دار نشر خاصة... قد خرج إلى الوجود. وهو نظام عيوبه أكثر من مزاياه، ففكرنا وكان أكثرنا جرأة في التفكير وقدرة على اقتحام المجهول هو سمير أحمد ندا، وهكذا تأسس مشروع كتاب الطليعة، ولو استمر هذا المشروع معنا بعد ذلك لتحول إلى دار نشر كبرى الآن.
لكننا لم نستطع رؤية الآتي. ولم نتصور الميزة الكبرى في الارتباط بدار نشر واحدة مدى الحياة بالنسبة لأي كاتب، وهي الميزة التي كان نجيب محفوظ يتكلم عنها أمامنا كثيراً...
فقد كانت سعادته لا توصف لأن كتبه جميعاً كانت موجودة
في دار نشر واحدة. هي دار مصر للطباعة التي كانت مشروع النشر للجامعيين في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم أصبحت مكتبة مصر ومطبعة مصر، وأخيرا دار مصر للطباعة، التي كان يمتلكها «آل السحار»... منهم عبدالحميد جودة السحار وسعيد جودة السحار المؤسسان الأوائل للدار، ثم نقلت مؤلفات نجيب محفوظ بعد أن نقلت إلى دار واحدة أيضا، بل ودار كبرى، هي دار الشروق.
وقصة انتقال نجيب محفوظ بمؤلفاته من دار عادية إلى دار كبرى تستحق أن تروى... لكنها الآن يمكن أن تخرجني مما أنا بصدد الكتابة عنه، لكني أشهد للتاريخ أن الرجل كان متألماً لحظة اتخاذه لهذا القرار، وما كان يريد الوصول إليه، ولكن تصريح صحافي قاله مدير دار مصر بعد وفاة صاحبيها... من «أن كتب نجيب محفوظ لا تبيع» أغضب نجيب محفوظ كثيراً وقال لحظتها:
- مادامت الكتب لا تبيع لماذا يتحملون طباعتها؟!
وقرر الانتقال لدار الشروق، وكان متألما بلا حدود... وما كان يحب أن يفعل هذا لسبب بسيط. أن نجيب محفوظ من الذين يؤمنون بالجميل ويذكرونه ليلاً ونهاراً ولا يحب أن يتنكر له أبداً. لكن هذا ما كان.
أعود لقصتي. كان كتاب جمال الغيطاني الأول مجموعته القصصية الأولى: أوراق شاب عاش منذ ألف عام. أما العمل الثاني فكان روايتي: الحداد. التي كان عنوانها: الحداد يمتد عاماً آخر. واعترضت رقابة ذلك الوقت التي كان يقول عنها خصوم عبدالناصر رقابة عبدالناصر على العنوان. فأصبح الحداد فقط. ولأن الغلاف الأول للرواية كان متقشفاً وفقيراً. ولم تشكل كلمة الحداد بكسرة تحت الحاء فقرأت الحداد. من كثير من الذين يكتفون بإلقاء نظرة على العنوان ولا يهتمون بالقراءة المتمهلة. لكنها أيضاً حكاية أخرى.
خرجت من وحدتي العسكرية في ذلك اليوم إلى المطبعة التي طبعت كتابي. كان اسمها مطبعة الجبلاوي، وكانت تقع في حارة متفرعة من شارع الترعة البولاقية في شبرا. ذهبت إلى المطبعة في يوم انتصاف مايو من السنة التاسعة والستين. لكي أحصل على النسخة البكر، النسخة الأولى من الرواية. إن قصة هذا اليوم تستحق أن تروى في سياق آخر.
كان من أمنياتي أن يقرأ روايتي الأولى كل معني بالكلمة المكتوبة، في وطننا العربي، خاصة من له اهتمام بفن الرواية. حكاية طباعة الرواية على نفقتنا بدون دار نشر ترعانا. خلق أمامنا مشكلة توزيع. حل جزءاً منها الحاج محمد مدبولي بكشكه الصغير القائم في ميدان سليمان باشا. لكنه كان حلاً جزئياً. والحل الثاني كان عبر الشركة القومية للتوزيع. وكان رئيس مجلس إدارته سعد الدين وهبة. الذي أعطانا إعلانات دعم للكتاب. ثم تعهد بتوزيعه خارج مصر. هاجس غياب التوزيع جعلني أرسل الرواية إلى القليلين من النقاد، لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليد الواحدة. أعطاني عناوينهم غالي شكري. الذي كان ناقداً أدبياً في مجلة الطليعة التي كان يصدرها الأهرام.
ورحت انتظر ردود من أرسلت لهم الرواية عليّ، حتى بما يفيد وصولها إليهم، ومن يعد إلى العام 69 ويتصور العزلة التي كنا نعيش فيها قبل ثورة الاتصالات الكبرى التي نعيشها الآن سيعرف صعوبة إرسال رواية من قطر عربي إلى قطر عربي آخر في ذلك الزمان البعيد.
إلى أن فوجئت بصاحب المطبعة يرسل في طلبي.