خيرالله خيرالله / لا فائدة من الحوار الفلسطيني - الفلسطيني!

1 يناير 1970 03:47 م
يأتي تعليق الحوار الفلسطيني - الفلسطيني في القاهرة نتيجة منطقية لاصطدام بين مشروعين لا يمكن التوفيق بينهما. لا يمكن المزج من الزيت والماء! هناك بكل بساطة سياستان كل منهما على تناقض مع الأخرى في شأن كل نقطة من النقاط التي تشكل محور حوار القاهرة. الأمر الوحيد الإيجابي الذي طرأ على الوضع الفلسطيني تمثل في اتخاذ رئيس السلطة الوطنية السيد محمود عباس «أبو مازن» قراراً جريئاً يقضي بإعادة الحياة إلى حكومة الدكتور سلام فياض. انها الحكومة التي يجمع العقلاء بين الفلسطينيين على أنها الأفضل منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية نتيجة اتفاق «أوسلو» الموقع في العام 1993 من القرن الماضي في حديقة البيت الأبيض. كان قرار «أبو مازن» في غاية الشجاعة وأظهر أن الرجل رجل دولة بكل معنى الكلمة، وأنه على استعداد للذهاب إلى أبعد الحدود في الدفاع عن القرار الفلسطيني المستقل، وعن المشروع السياسي الوحيد القابل للحياة وهو البرنامج السياسي لـ «منظمة التحرير الفلسطينية». أكثر من ذلك، قرر «أبو مازن» الخروج من أسر الرفض الإسرائيلي للسلام من جهة، وإطلاق «حماس» شعارات، وإقدامها على تصرفات لا تخدم سوى المشروع الإسرائيلي من جهة أخرى.
لا يجوز بقاء الوضع الفلسطيني يراوح مكانه في وقت شكّل بنيامين نتانياهو حكومته الثلاثينية، وأكد مسبقاً رفضه الحل القائم على الدولتين. لا يؤمن «بيبي» إلاّ بالتطرف الذي يعبر عنه وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان الذي يتحدث عن السلام في مقابل السلام. ما هذه الصيغة التي لا تعني سوى تكريس الاحتلال. هل في استطاعة إسرائيل العيش إلى ما لا نهاية وهي تحتل الضفة الغربية، والقدس الشرقية، والجولان، ومزارع شبعا التي يتوقع لبنان من النظام السوري تقديم الوثائق التي تثبت أنها لبنانية؟
لا وجود لشيء اسمه السلام مقابل السلام. هناك صيغة أخرى معترف بها دولياً تقوم على مبدأ الأرض في مقابل السلام. إنها الصيغة التي يفترض في الفلسطينيين العودة إليها، بل اللجوء إليها لانقاذ ما يمكن انقاذه من براثن الوحش الإسرائيلي.
ربما تريد «حماس»، عن طريق التمسك بمطالبها المحددة القائمة على رفض البرنامج السياسي لـ «منظمة التحرير الفلسطينية»، تأكيد أنها لم تخسر حرب غزة الأخيرة. حسناً، ما هي النتيجة الحقيقية لتلك الحرب؟ اضطرت «حماس» إلى العودة إلى ما يسمى «التهدئة»، وإلى ملاحقة مطلقي الصواريخ من القطاع في اتجاه المستعمرات الإسرائيلية. ألم يكن في استطاعة «حماس» أن تفعل ذلك قبل الحرب الأخيرة، وأن توفر على أهل غزة ما يزيد على ألف وثلاثمئة قتيل، ونحو ستة آلاف جريح، فضلاً عن تدمير نسبة خمس عشرة في المئة من القطاع تدميراً كاملاً... في مقابل سقوط عشرة قتلى إسرائيليين نصفهم عن طريق الخطأ؟
لا فائدة من الحوار الفلسطيني- الفلسطيني ما دامت «حماس» ترفض المنطق السليم. يقول هذا المنطق أنه لو كانت «حماس» انتصرت فعلاً في حرب غزة، لكانت وجدت لنفسها مكاناً في القمة العربية الأخيرة التي انعقدت في الدوحة. المشكلة أنه لا مشروع سياسي لدى «حماس» تطرحه على المجتمع الدولي. كل ما تستطيع عمله هو الاستفادة من حال الضياع لدى «فتح». نعم، «فتح» ضائعة، ولكن هل يصلح ضياع «فتح» أساساً لبناء مشروع سياسيا للفلسطينيين؟
إن المشروع الوحيد المتوافر حالياً هو مشروع الدولتين الذي فيه اجحاف كبير للشعب الفلسطيني. لكنه المشروع الوحيد الممكن. إنه المشروع الوحيد المقبول من المجتمع الدولي الذي اعترض على سياسات حكومة نتانياهو التي لا مستقبل لها. عاجلاً أم آجلا، سيعود «بيبي» إلى بيته وسيكون في أحسن الأحوال زعيماً للمعارضة. على الفلسطينيين تفادي السقوط في فخ التطرف. إنه فخ إسرائيلي أولاً وأخيرا. التطرف الاسرائيلي الذي تعبر عنه حكومة نتانياهو لا يمكن أن يواجه سوى بالتمسك بالثوابت الفلسطينية، أي بمشروع الدولتين. كل ما عدا ذلك سقوط في لعبة لا مصلحة للفلسطينيين فيها. لا يمكن لهذه اللعبة أن تؤدي إلى أي مكان باستثناء أنها تحول الشعب الفلسطيني إلى وقود في معارك، وصراعات اقليمية لا علاقة له بها، ولا مصلحة له فيها. هل مطلوب من الشعب الفلسطيني أن يكون مرة أخرى وقوداً في معارك من هذا النوع لا تصب سوى في مصلحة المحور الإيراني- السوري الساعي إلى عقد صفقات مع الأميركيين والإسرائيليين على حساب الفلسطينيين واللبنانيين الذين يشكلون «أوراق قوة» في لعبة شد الحبال التي تشهدها المنطقة حالياً؟
من لديه ذرة عقل يرفض العودة إلى الحوار الفلسطيني- الفلسطيني. لا فائدة من الحوار نظراً إلى أنه ليس هناك ما يمكن أن تتفق عليه «فتح» و«حماس» وليس هناك أي قاسم مشترك بين «حماس» والسلطة الوطنية الفلسطينية. هناك بكل بساطة طرف يريد التعاطي مع الواقع والتصدي للاحتلال الإسرائيلي، فيما هناك طرف آخر يعتقد أن الرد على التطرف الإسرائيلي يكون بمزيد من التطرف الفلسطيني. هل تسمح موازين القوى بذلك؟ كانت حرب غزة الأخيرة التي وقف في أثنائها العالم يتفرج على الوحشية الإسرائيلية، بل يصفق لها، دليلاً على أن التطرف الفلسطيني يخدم التطرف الإسرائيلي. هل هذه اللعبة التي تريد «حماس» ممارستها؟ في حال كان الأمر كذلك، من الأفضل أن يتوقف الحوار الفلسطيني- الفلسطيني. لا فائدة من حوار يصب في خدمة الاحتلال الإسرائيلي لا أكثر ولا أقلّ. ليتحمل كل طرف مسؤولياته في ظل موازين للقوى لا تسمح بأكثر من البرنامج السياسي لـ «منظمة التحرير الفلسطينية». إنه، للأسف الشديد، اللعبة الوحيدة في المدينة، كما يقول الأميركيون.


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن