خيرالله خيرالله / لعن السادات والمعاهدة... ولكن ماذا عن العرب؟
1 يناير 1970
03:48 م
كان طبيعيا أن تمر الذكرى الثلاثون للمعاهدة المصرية - الإسرائيلية، وكأن الحدث مجرد حدث عادي، في حين أنه مثّل تطوراً غيّر الخريطة السياسية للشرق الأوسط بشكل نهائي. لم يشهد الشرق الأوسط حدثاً بهذا الحجم طوال ما يزيد على ربع قرن عندما اتخذ الرئيس جورج بوش الابن قراره بغزو العراق في العام 2003 وإسقاط النظام فيه مغيّراً طبيعة هذا البلد الذي كان بين مؤسسي جامعة الدول العربية، فضلاً عن مشاركته في الحروب العربية - الإسرائيلية كلها منذ العام 1948 حتى العام 1973. ولكن ما العمل بعدما بقيت المعاهدة اتفاقاً محصوراً بين مصر وإسرائيل وظلّ السلام سلاماً بارداً، في وقت ليس ما يدلّ على أن إسرائيل راغبة في سلام شامل، مع الفلسطينيين خصوصاً؟
إذا كانت معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية الموقعة في السادس والعشرين من مارس 1979 تظهر شيئاً، فإنها تظهر كم أن العرب بائسون بعدما أثبتوا عجزهم عن البناء على ما توصل إليه أكبر بلد عربي مع إسرائيل. إنها إسرائيل التي كانت ولا تزال ترفض السلام وتسعى إلى التملص منه بأي شكل من الأشكال. ولعل أخطر ما في ظاهرة البؤس العربي أنها تزداد مع الوقت. الدليل على ذلك، أنه صار هناك من يعتبر حرب صيف العام 2006 التي أعادت لبنان ثلاثين عاماً إلى خلف انتصاراً. كما هناك من يعتبر حرب غزة الأخيرة التي مارست فيها إسرائيل وحشيتها انتصاراً آخر يمكن البناء عليه من أجل ترسيخ حال التخلف في المنطقة وجعلها تشمل أكبر عدد ممكن من المواطنين العرب على أوسع مساحة جغرافية ممكنة وفي أكبر عدد من البلدان.
يمكن الاعتراض على ذهاب مصر - أنور السادات بمفردها إلى السلام مع إسرائيل. هناك ألف سبب وسبب لانتقاد خطوة الرئيس المصري الراحل الذي فرض أمراً واقعاً على الآخرين، بما في ذلك على الذين دعموه في حرب أكتوبر 1973 ولم يترددوا في الذهاب بعيداً جدّاً في ذلك. والحديث هنا ليس عن الدول العربية فقط، بل يشمل أيضاً دولاً أفريقية قطعت علاقاتها بإسرائيل ووقفت مع مصر، خصوصاً والعرب عموماً. تجاهل السادات كلياً المسؤولية التاريخية لمصر عن هزيمة العام 1967. تجاهل خصوصاً أن مصر جرّت الأردن إلى حرب خاسرة سلفاً وأن القيادة فيها وقتذاك تتحمّل مسؤولية خسارة الضفة الغربية والقدس الشرقية. كانت هناك تعهدات واضحة وجلية من جمال عبدالناصر، بعد الهزيمة، بأنه لا يمكن أن يقدم على أي خطوة في اتجاه السلام من دون استشارة الأردن ممثلاً بالملك حسين، رحمه الله. وجاء السادات ليضرب هذه التعهدات بعرض الحائط وكانت الخطوة الوحيدة ذات المعنى التي قام بها محاولته الفاشلة لإقناع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بالذهاب معه إلى القدس قبل توجهه إليها لإلقاء خطابه أمام الكنيست في نوفمبر من العام 1977.
يمكن الخروج بأحكام قاسية في حق السادات، خصوصاً في حال كان على المرء تجاهل الظروف الداخلية التي كانت تعاني منها مصر في السنة 1977 وحال الغليان الداخلي التي بلغت ذروتها في يناير من تلك السنة. كانت حال الغليان تعبيراً عن أزمة اقتصادية عميقة تهدد بانفجار واسع في وقت كانت مصر محرومة من دخل قناة السويس ومن البترول والغاز اللذين في سيناء.
ولكن ما لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته أن ردود الفعل العربية على زيارة السادات للقدس، ثم توقيع اتفاقي كامب ديفيد في العام 1978 تمهيداً لتوقيع معاهدة السلام في السنة التالية، زادت الوضع سوءاً. كانت ردود الفعل التي فرضها «البعثان» السوري والعراقي على العرب كارثة حقيقية على العرب عموماً. وبدلاً من التعاطي على نحو منطقي مع مصر، أي التعاطي مع الواقع، هرب «البعثان» في اتجاه عزل مصر. ماذا نفع التصعيد؟ لم تمض سنتان على معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية إلا وكان العراق يستنجد بمصر، عبر سلطنة عُمان، من أجل الحصول على أسلحة وذخائر كي يستطيع متابعة الحرب مع إيران. أما سورية فكانت منهمكة في الغرق في الرمال المتحركة اللبنانية أكثر فأكثر لتأكيد الوهم الذي تؤمن به والمتمثل في أنها قوة إقليمية يجب أن يُحسب لها حساب ... وأن الفلسطينيين في جيبها!
لم تمض سوى ثماني سنوات على المعاهدة حتى انعقدت قمة عمّان في العام 1987. في تلك القمة، سار العرب، بمن فيهم سورية، على خطى الأردن وقرروا إعادة العلاقات مع مصر وإعادة جامعة الدول العربية إلى القاهرة، أي إلى مكانها الطبيعي. كان الأردن سبق الجميع في التصالح مع الواقع وأعاد العلاقات مع مصر في العام 1985. احتاج العرب إلى ثماني سنوات كي يدركوا أن السادات أقدم على خطوة استثنائية، بل على مغامرة، وأن عليهم التكيف معها، أياً كان رأيهم في ما فعله الرجل.
بعد ثلاثة عقود على توقيع المعاهدة المصرية - الإسرائيلية، ليس أسهل من لعن السادات الذي استعاد كل شبر من الأرض المصرية المحتلة. في الإمكان أيضاً لعن الذين قاوموا السادات لأسباب لا علاقة لها من بعيد أو قريب بالمصلحة العربية. هؤلاء قاوموا السادات عن جهل أو انتهازية. العراقي الذي اسمه صدام حسين، أو أحمد حسن البكر، كان جاهلاً. صدّام كان وقتذاك الحاكم الفعلي في العراق، في حين كان البكر مجرد واجهة. السوري الذي كان اسمه حافظ الأسد كان يفكر في كيفية الاستفادة من الفراغ الذي سيخلفه الخروج المصري من المعادلة العربية لوضع اليد على لبنان والفلسطينيين. كان السوري حاذقاً. منع الفلسطيني من الاستفادة من المعاهدة المصرية - الإسرائيلية. كل ما في الأمر أن العرب لم يفهموا شيئاً من الذي حصل بعد ذهاب السادات إلى القدس ومن أهمية الحدث. ما فعلوه كان التصرف بما يخدم إسرائيل. بما يخدم سياسة لا همّ لها سوى مقاومة السلام لا أكثر ولا أقل... إنه السلام الذي ترفضه إسرائيل وتحاربه بجوارحها كلها. هل من دليل على مدى رفض إسرائيل للسلام أكثر ما نشهده اليوم. مجتمع بكامله يجنح إلى التطرف. معه تجنح المنطقة كلها إلى مزيد من التطرف. هل أنقذ السادات مصر من التطرف، أم أن كل ما فعله كان تفادي الانفجار الكبير في العام 1977؟ التاريخ وحده سيحكم على الرجل. الأكيد أن التاريخ سيكون أكثر قساوة مع العرب الذين تعاطوا مع مصر بالطريقة التي اعتمدت في أعقاب معاهدة السلام مع إسرائيل!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن