علي محمد الفيروز / إطلالة / لعنة بوش

1 يناير 1970 08:34 ص
يبدو ان لعنة الأحذية التي أصابت الرئيس الاميركي السابق جورج بوش لن تفارقه أبدا أينما ذهب، فالرئيس بوش منذ أن غادر السلطة ومظاهر الاحتجاج عليه لم تتوقف، وكان آخرها عندما وصل الى كندا لالقاء أول خطاب له كرئيس سابق للولايات المتحدة، تجمع متظاهرون في منطقة كالغاري لرشق الرئيس السابق بوش بالأحذية، بل وصل الأمر الى القاء أحذية على مجسم له أيضا، ورد الفعل هذا يجعلنا نتساءل: لماذا ترك الرئيس جورج بوش إرثا ثقيلا من السقطات السياسية والعسكرية، ولماذا ترك بوش منصبه بكثير من الفشل وقليل من الانجازات، ولماذا تدنى مستوى شعبيته الى مراحلها الاخيرة؟ لقد غادر الرئيس جورج بوش البيت الأبيض ومستوى تأييده الشعبي يقل عن 30 في المئة، وهي بالتأكيد نسبة متدنية تاريخيا لا تساعد على أن تبقى ذكراه، الكثير من المراقبين والمتابعين يفيدون بأن الحربين في أفغانستان والعراق هما من أهم الأسباب التي ساهمت في تدني مستواه الشعبي بل وأثرتا تأثيرا كبيرا على مكانة الولايات المتحدة بين دول العالم، ولا ننسى حملته المعادية ضد زعيم تنظيم «القاعدة» اسامة بن لادن، وربط مجموعته بالارهاب، فبعد مرور أكثر من سبعة أعوام على هجمات 11 سبتمبر 2001 والذي يعتبر يوما أسود لدى الاميركيين، لا يزال الزعيم أسامة بن لادن حرا طليقا في الحياة، يصرح ويهدد لاعدائه كيفما يشاء في جميع وسائل الاعلام، وفي عهد بوش أيضا شهدت الولايات المتحدة انهيارا اقتصاديا في أسوأ حالاته، ولكن الرئيس بوش أبى أن يهتم في الامور الاقتصادية ومتابعة الاسواق المالية أكثر من خوضه حروبا خارجية باستنزاف المزيد من الخزانة الاميركية في ظل العجز المالي المريب للدولة، كما انتقده كثيرون حينما ركز كثيرا على قضايا الارهاب وتناسى اهتماماته في شؤون التعليم، والتوظيف، والقضاء على البطالة رغم انها كانت من أولوياته في الانتخابات الرئاسية الماضية عام 2000 التي فاز بها... لقد اصبح الرئيس السابق جورج بوش هدفا سهلا للنقاد خصوصا فيما يتعلق بحربيه في العراق وأفغانستان من دون ان يأخذ تفويضا من الامم المتحدة، ولدوافع غير صحيحة اعتمد على المعلومات الاستخباراتية الأميركية التي أفادت بأن الرئيس العراقي المقبور صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، ولكن بعد خوضه الحرب المدمرة للعراق اكتشف ان المعلومات الاستخبارية لم تكن محقة، وبذلك يكون المجهود الحربي الذي بذله الجنود الأميركيون، لم يكن الا لجلب حال من الفوضى والعنف، وجلب المزيد من الضحايا الاميركيين، رغم ان صدام حسين كان حديث الساعة ويشكل خطرا فعليا في المنطقة. ان التركة الثقيلة التي تركها الرئيس السابق جورج بوش تمثلت في الفشل السياسي والقليل من النجاحات، فكانت مليئة بالسقطات اللغوية، وزلات اللسان، واستخدام التهديد والوعيد مع دول ما يسمى بـ «محور الشر» وهو ما أدى الى عرقلة جهوده في تحقيق حلم النصر، لا في كل شيء، فعلى صعيد السياسة الخارجية لم يلتفت اليه أحد وتحقيق القليل من النجاحات لا يسمى انتصارا، وربما مقولة الحرب على الارهاب التي تعود على استخدامها انقلبت ضده ولم يستثمر فيها شيئا في الخارج، اذ اننا لاحظنا تعوّد النظام الايراني في مهاجمته مرارا، بل وصل الامر بينهما الى حد التهديد اللغوي باشعال الحروب، والشيء الوحيد الذي يذكر له نجاح ادارة بوش في تحسين علاقتها مع ليبيا بعدما كانت سيئة للغاية مع الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، وعليه فتحت ليبيا صفحة جديدة في العلاقات بينهما وتخليها عن برنامج عملها الخاص بأسلحة الدمار الشامل وتحقيق تسويات امنية، اضافة الى نجاح ادارته في تشكيل تحالف دولي لزيادة الضغط وتغليظ العقوبات على ايران في مواصلتها للانشطة النووية الحساسة. أما على الصعيد الصحي، فقد رصد الرئيس السابق بوش مبلغ 1808 مليارات دولارات لمكافحة مرضي الايدز والملاريا في افريقيا وكان ذلك عام 2003، الا ان هذه الخطوة الانسانية لم تكن ذات أهمية كبرى في العالم، خصوصا بين اوساط الشعب الاميركي، لا شك ان الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش هو أحد أكثر الرؤساء الاميركيين اثارة للجدل بسبب نوعية السياسات التي اتخذها في عهده، لذلك شن الرأي العام الأميركي والعالمي اكثر من حملة اعلامية ضده، شرح فيها الكثير من المآخذ السلبية خلال الثمانية اعوام التي قضاها في سدة الرئاسة، وبالاخص اخفاقاته في قراءة اشارات الانذار بشأن الوضع المالي والاقتصادي للدولة، وتشجيعه على رفع الضوابط عن النظام المالي الذي ادى في النهاية إلى مواجهة هذه الازمة الحالية، مع وجود عجز مالي اميركي ضخم يتوقع وصوله إلى الف مليار دولار!، فالرئيس بوش معروف بتخليه سريعا عن مبادئه الاقتصادية في شأن السوق واتخاذه تدابير استثنائية من دون الرجوع الى موافقة الكونغرس حتى تفاقم العجز سريعا وسط مصروفات المعارك في افغانستان والعراق والمعركة ضد الارهاب، اما بالنسبة الى النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي، فقد اهمل الرئيس بوش هذا الملف المصيري الذي يعتبر من اهم الملفات في قضايا الشرق الاوسط، وكرس وقته للعمل لمصلحة اسرائيل فقط، وبالتالي تجاهل الشروط الفلسطينية، والتعديات الاسرائيلية في قمة «انابوليس» الأميركية حتى انعكست التوقعات الاميركية في حركة «حماس» وسجلت فيه انتصارا لنجاحها في الانتخابات التشريعية وسيطرتها كاملا على قطاع غزة، فجورج بوش كان صاحب دعوة قيام دولة فلسطينية لتعيش جنبا الى جنب مع اسرائيل، إلا ان هذه الفكرة لم تجن ثمارها في المنطقة الى وقتنا هذا رغم دعمه المستمر للمفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية التي تصل دائما إلى طريق مسدود.
في آخر خطاب رئاسي له وفي مدرسة ويست بوينت العسكرية بولاية نيويورك، وجه الرئيس الاميركي السابق جورج بوش خطابه الى الشعب الاميركي كافة احتوى على توصيات مستقبلية عدة وموجه الى خليفته الرئيس الحالي باراك اوباما بطريقة غير مباشرة، دافع من خلاله عن انجازاته العسكرية الطابع خلال فترة رئاسته، وحدد من خلاله كيفية حماية الولايات المتحدة بعد انتهاء ولايته الرئاسية، والمضي قدما في انتهاج سياسته النشطة لمكافحة الارهاب، بابقاء الضغط على الدول التي يعتبرها خطرة، ومواصلة تحديث الترسانة العسكرية الاميركية، وبكل فخر اعلن بوش عن انه كون اساسات صلبة ومتينة يستطيع الرؤساء المقبلون والقادة العسكريون الاعتماد عليها لان الجيش الاميركي بات اقوى واكثر استعدادا في عهده لمواجهة التهديدات والاخطار التي تواجه الولايات المتحدة، بينما لو نرجع قليلا لواقع الامر فإن اعتداءات 11 سبتمبر 2001 قد شهدت احداثها وعواقبها المؤلمة في عهده، تلتها حروب اخرى تحت مصطلح الحرب ضد الارهاب، فالرئيس بوش يعتمد على خطة دفاعية ليست بالضرورة ان تكون ناجحة، ومقولة ان الولايات المتحدة يجب ان تكون قادرة على الدفاع عن نفسها «بطريقة هجومية» حتى تتجاوز الارهاب، هو امر مثير للجدل ايضا! يجب علينا الاعتراف بأن الرسائل التحذيرية التي كان يطلقها بوش إلى انظمة مثل ايران، وكوريا الشمالية لم تكن مجدية، ولم يعيرا تحذيراته الاستفزازية اهتمامهما رغم خطورة برنامج عملهما النووي، لقد تميز الرئيس السابق جورج بوش باطلاق الخطابات العسكرية الرنانة متعذرا بحق الولايات المتحدة على توجيه ضربات عسكرية لأي دولة تجلب الخطر والارهاب في حال الضرورة حفاظا على الأمن القومي الاميركي وحماية للجنود، وكان كثيرا ما يدافع عن مبادئه في مهاجمة العدو قبل تلقي ضربة جديدة منه، لذلك لم يتأخر عن التغييرات التي ادخلها على الاستراتيجية العسكرية قط، وعلى القوات الاميركية خارج الولايات المتحدة ايضا، وعلى هذا النهج واجه الرئيس بوش جدلا كبيرا في طريقته على ادارة الحرب في العراق وافغانستان في سبيل نشر الديموقراطية هناك، غير ان ولايته الرئاسية سرعان ما انتهت بالقليل من الانجازات والكثير من الاعداء، إلى ان جاءت رياح التغيير التي هبت على الولايات المتحدة عموما، وعلى البيت الابيض خصوصا، اذ تسلم الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما مهامه وامامه ثقل كبير من العراقيل والمشكلات «العسكرية والمدنية والاقتصادية»، فاتخذ اوباما منحى آخر مختلفا تماما عن منحى وآمال الرئيس السابق جورج بوش، مبتدئا منذ اليوم الاول من تسلمه مفاتيح الرئاسة بإلغاء نحو 200 قرار وامر تنفيذي سابق، قد اصدرتها ادارة بوش ارضاء له، ولكن سرعان ما غيرها فريق اوباما الديموقراطي خلال وقت قصير من تسلمه البيت الابيض وانجاح عهده بترطيب العلاقات الخارجية اولا مع العواصم الكبرى في العالم، وقيامه بتبني سياسات من عهد كلينتون تجاهلها بوش خلال عهده السابق، وترتيب اولويات التغييرات التي تهم مصلحة الولايات المتحدة داخليا وخارجيا، على شرط توافقه مع خطة واجندة فريق الرئيس اوباما الجديد، ما اعطى شعبية اكثر بين اوساط المجتمع الاميركي الذي اختاره ليكون رمزا مشرقا للولايات المتحدة الاميركية وللسلام في العالم اجمع.


علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]