لقاء / رئيس كتلة المجلس الإسلامي الأعلى في البرلمان العراقي أكد رفض مشروع المالكي لإعادة دمجهم في مؤسسات الدولة
الصغير لـ «الراي»: بعض الديوانيات الكويتية تعمل جديا لتغذية بعثيي صدام ودعمهم... ولو طلب مني أسماء لسمّيت
1 يناير 1970
04:07 ص
|طهران - من أحمد أمين|
فيما أكد رئيس كتلة المجلس الإسلامي الأعلى في البرلمان العراقي الشيخ جلال الدين الصغير ان العلاقات بين العراق والكويت «متميزة، ما عدا حالات الشغب السياسي التي تحصل في بعض الأحيان»، اتهم «مجاميع البعثيين في العراق بانها التي تتصدى لطرح مسألة إيقاف التعويضات والديون للكويت».
وشدد الصغير على ان العراق والكويت «جاران شئنا ذلك أم أبينا والجيران إن أرادوا أمانا عليهم أن يؤمنوا جيرانهم الاخرين»، دعا إلى وضع ملفات حقول النفط والحدود والموانئ والتعويضات والديون «على نار هادئة لتتم معالجتها».
وكشف الصغير في لقاء مع «الراي» ان «بعض مجاهدي المجلس الإسلامي الأعلى قتلوا داخل الكويت دفاعا عن الكويت خلال الغزو»، مضيفا «نبهت السفير الكويتي في دمشق لخطورة الوضع قبل الغزو وللأسف لم يتم النظر إلى هذا الأمر وكأنه جدي بالطريقة التي كنا نحن ننظر إليها، وحصلت كارثة الغزو».وشدد على رفض القوى السياسية العراقية لمشروع المصالحة التي طرحها رئيس الوزراء العراقي خصوصا مع «البعثيين الصداميين»، مرحبا «بكل من يريد العودة إلى أحضان الوطن ممن لم يكن لديه سجل مؤذ للشعب العراقي». وإذ أكد أنه «لا يمكن أن نتسامح مع دعوة رئيس الوزراء إذا كانت منصبة على بعثيي صدام»، قال الصغير «يؤلمني جدا، أن أرى في بعض مناطق الكويت أو بعض الديوانيات الكويتية أطرافا تعمل بشكل جدي من اجل تغذية هؤلاء البعثيين ودعمهم، ولو طلب مني اسماء لسميت»، متسائلا «الكويت التي نزفت واغتصبت وأحرقت ودمرت، وأخرج شعب بكامله من بلده بالطريقة التي تحولت فيها الكويت إلى ما يشبه الأرض المحروقة، كيف يمكن لها أن تسمح بمثل هذه القضايا؟».
وقال الصغير: «الاسلاميون داخل مجلس الأمة الكويتي يتحدثون بطريقة تتناغم وتتطابق تماما مع الروح البعثية»، مضيفا «نحن نعلم ان هؤلاء مع أولئك في فترة غزو الكويت كانوا واحدا، وهم من أعطى الأزمة الكويتية الكثير من الشرعنة، بينما الفريق المندفع لنجدة الكويت، فهم الفريق المناهض للبعثيين، ولدينا مئات الأدلة حول هذه المسألة».
واعتبر رئيس كتلة المجلس الإسلامي الأعلى في البرلمان العراقي ان المالكي «يؤمن بنظرية الرجل الواحد الذي يدير البلد من خلال الأمر الذي يجب أن يطاع ولا يخالف».
ورأى ان الرئيس العراقي جلال طالباني «استطاع أن يجنب العراق الكثير من العواصف السياسية (...) وإذا استقال فالمنصب محفوظ للتحالف الكردستاني».
وفيما اعتبر ان المخاوف الأمنية «دفعت السعودية لاستيراد أسلحة بـ 9 مليارات دولار كان يمكن أن تتحول الى مشاريع الإعمار في المملكة»، قال الصغير «لا انزه كل السياسات الإيرانية... ربما هناك أخطاء، لكن في الإمكان العمل المشترك».
وفي ما يلي نص اللقاء:
• أثار مشروع رئيس الوزراء نوري المالكي القاضي بالتصالح مع البعثيين والاستجابة لمطالبهم بإعادة دمجهم في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية التي كانوا يعملون فيها، ردود فعل واسعة اتسم بعضها بالغضب، من قبل أطراف دينية وسياسية، كيف تقرأون ذلك؟
- اولا أشير الى ان ثمة فرقا بين حزب البعث والبعثيين، نحن نعرف جيدا الكثير من البعثيين الذين اجبروا على حمل هوية هذا الحزب من دون ان يحملوا أخلاقياته او أفكاره والى ما غير ذلك، وحزب البعث كما هو مثبت محظور فكريا وعمليا في داخل العراق. وأعتقد ان دعوة رئيس الوزراء تأتي متناقضة بشكل كبير جدا، فالإشارة إلى هؤلاء بانهم بعثيون فيها الكثير من استفزاز لمشاعر للعراقيين، خصوصا الذين عاشوا التجربة المريرة التي خاضها العراق مع حزب البعث أثناء حكمه. وكان الأحرى بالمالكي ان يتجه لضحايا البعثيين لكي يحشدهم معه لا ان يتجه الى البعثيين كي يحشدهم معه.
• ما طبيعة الازمة التي يواجهها المالكي في البرلمان؟
- منذ قرابة السنة بدأت لهجة الكثير من البرلمانيين المعنيين بعمل مجلس النواب تتغير، طبعا هنالك برلمانيون حضورهم وغيابهم واحد، لكن هناك برلمانيون يتألمون لفقدانهم دور السلطة الرقابية، وهو اهم الواجبات في البرلمان، بدأت صيحات هؤلاء تتعالى لكن الاستجابات كانت سيئة، اذ بدل الاستجابة الايجابية للانتقادات التي وجهت، جوبهوا باستجابات سلبية كاتهامهم بالتآمر والخيانة وأمثال هذه الكلمات التي لم يعد لها قيمة في الساحة السياسية العراقية، بقدر ما كانت تعبر عن طبيعة عدم القدرة على مواجهة الانتقادات التي تتعرض لها الحكومة.
ان الحكومة تؤدي دورها كحكومة وقد لا تعاب في هذا الدور، ولكن ان يكون البرلمان تابعا لها فهذا خطيئة كبيرة جدا، وان يكون رئيس البرلمان ومن ثم البرلمان ضعيفا امام الحكومة، فانا اعتقد ان في هذا إضعافا للحكومة أيضا.
• البعض يفسر مشروع المالكي للمصالحة مع البعثيين انه مجرد ورقة انتخابية، والبعض الآخر يعتقد انها استراتيجية أمنية هدفها استدراج هؤلاء إلى داخل العراق ومن ثم تصفيتهم جسديا بشكل تدريجي؟
- الصورة الموجودة معاكسة تماما، الصورة الموجودة هي التخلص من ضحايا نظام صدام في دوائر الدولة او مضايقتهم او حتى إبعادهم والمجيء بهؤلاء تحت ذريعة الخبرة والكفاءة والمهنية وما إلى ذلك، في الوقت الذي لم تتح الفرص أمام الآخرين لكي يبرزوا مهنيتهم أو كفاءاتهم، رغم ان البعض منهم كان كفئاً جدا لكنه حوسب سياسيا.
• لو ألقينا نظرة سريعة على العراق ما بعد السقوط، هل نستطيع ان نفهم بان هنالك كفاءات كانت تحكم العراق؟
- لم يكن لدينا نظام، كانت لدينا عصابة تعمل بطريقة الرأي الواحد الذي لا يمكن التخلف عنه، وهذا احد الأسباب التي دعت المالكي الى التفكير بهذه الطريقة، باعتبار انه يؤمن بنظرية الرجل الواحد القوي الذي يدير البلد من خلال الأمر الذي يجب ان يطاع ولا يخالف.
• نفهم من كلامك تبلور ديكتاتورية بشكل آخر في العراق؟
- لا اسميها ديكتاتورية ولكن أستطيع أن أقول ان هناك اتجاهات من الواضح جدا انها لا تتعاطى مع القانون ولا مع الدستور بطريقة انسيابية، واعتقد ان ما طرحه رئيس الوزراء في مسألة تغيير الدستور لعلها استجابة لمثل هذا القيد الذي يجده المسؤول في الجهاز التنفيذي، في ان يتحرك بالطريقة التي يشاء، في الوقت الذي يجد ان الدستور يقيده مقابل مثل هذه الحركة.
• في ضوء ارتباط القيادات البعثية البارزة في النظام السابق بالواقع المأسوي الذي عاشه المواطن العراقي على مدار اكثر من ثلاثة عقود، الا تعتقد ان محاولة استخدام المالكي المصالحة مع هؤلاء ورقة انتخابية، سيكون لها مردودات سلبية على جماعته عند صناديق الاقتراع ؟
- المالكي معني بمراقبة الموضوع على أكثر من جانب، معني بمراقبة الملف الأمني والاجتماعي، وربما هزته نشوة ما سمي الانتصار في انتخابات مجالس المحافظات، لذلك بدأ يتصرف وكأنه هو المعبود من قبل هؤلاء وأي تصرف سيقدم عليه سيكون مقبولا. الشيء الذي تلمسناه خلال الأسبوعين الماضيين هو وجود نقمة كبيرة، وكما قلت كنت أتمنى لو ان رئيس الوزراء عمد إلى عملية إعطاء المجال لتعويض ضحايا النظام، فلو عمد لهذا الأمر لكان في الإمكان إيجاد عملية توازن بين هذه الدعوة وبين تلك التعويضات.
• يقال ان رئيس الوزراء تحرك على جناح متطرف في حزب البعث، الا وهو جناح محمد يونس الأحمد. هل الانفتاح كان فقط على هذا الجناح أم أجنحة أخرى، علما ان جناح عزت الدوري أعلن رفضه مشروع المالكي؟
- الجناح المقصود الآن هو جناح محمد يونس الأحمد، لكنني اسأل يا ترى هل قدم هذا الجناح اعتذارا للعراق وللشعب العراقي عما ارتكبه من جرائم الفترة السالفة؟، هل أعلنوا ندمهم على طبيعة الأعمال التي قاموا بها ونفذوها خلال تلك الفترة.
وهنا اضرب مثلا، إذ مع كل ما خلفته أزمة الكويت من تداعيات خطيرة جدا على الواقع العراقي والعربي والإقليمي، لكن هل تندم هؤلاء على كل ما فعلوه في الكويت؟ هؤلاء قاتلوا وفجروا واغتالوا ودمروا واختطفوا، ورهنوا العراق بمعادلات في منتهى القسوة. ونأتي هكذا كيفما اتفق ومن دون مقدمات يصبح هؤلاء مرحبا بهم ويدعون إلى تسلم وظائف، مع انه لدينا قانون يتعامل مع الجميع بطريقة واضحة لا غبار عليها.
وأنا بصفتي احد الأعضاء الأساسيين في الائتلاف العراقي الموحد، أُفاجأ عبر نشرات الأنباء بان رئيس الوزراء الذي انتخبناه لكي يكون رئيسا للوزراء، يتصرف بهذه الطريقة دون الرجوع إلى الائتلاف العراقي الموحد الذي لديه قرارات حازمة وشديدة جدا ضد حزب البعث.
• يقال ان معظم الفساد الإداري الحالي في العراق، وما يواجهه المواطن من مشاكل مردها وجود صغار البعثيين في دوائر الدولة، إذاً كيف تتصورون أحوال العراق في حال عودة كبار القادة البعثيين في إطار مشروع المصالحة؟
- انا افرق ما بين قضيتين، فتارة نقول عودة البعثيين كبعثيين، وهذا الأمر لا يمكن ان نسمح به، لكن من يريد العودة إلى أحضان الوطن، ممن لم يكن لديه سجل مؤذ للشعب العراقي فأهلا وسهلا ومرحبا به ضمن القانون وضمن الوضع العام.
الكلام الآن إذا ما قدر لهؤلاء العودة، أنا اعتقد أن سجل البعثيين في دوائر الدولة الحالية يتحدث عن نفسه، فالكثير من الاختراقات الأمنية وأعمال الفساد هم تسببوا بها.
• هذا على الصعيد الداخلي، كيف تقرأون طبيعة المواقف التي سيعبرون عنها على الصعيد الخارجي فيما لو عادوا إلى مواقعهم في الحكومة العراقية؟
- انا حينما أتحدث عن الصعيد الداخلي أريد الإشارة إلى طبيعة ما يمكن أن يحصل غدا، صحيح ان البعثيين يستغلون المراحل والظرف الزماني، لكنهم لا يخفون أبدا أحقادهم ولا يتخلصون منها، نحن رأينا في ايام العلاقة الحربية بينهم وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحولت الأمور الى حرب، ثم سرعان ما تحولت الأمور إلى طريقة أخرى.
وكذلك ما حصل مع الكويت، هناك ثلاث مراحل يمكن ان نلاحظها بمنتهى السهولة في قضية العلاقات مع الكويت، المرحلة الأولى مرحلة التمجيد بالكويت التي تزامنت مع فترة مد النظام السابق بإمدادات البقاء، ثم بعد ذلك حرب شرسة ونهب للأموال واغتصاب للنساء وقتل للمواطنين الكويتيين بالطريقة التي يعرفها الكويتيون ويعرفها من عاصر تلك التجربة بشكل جيد. بعد ذلك هل تخلى البعثيون عن أحقادهم إزاء الكويت؟ فحتى الآن تطرح هذه الأحقاد وتجد لها متنفسا بطريقة او بأخرى.
ولنأخذ قضية التعويضات العراقية للكويت مثالا، من الذي يتصدى عادة لطرحها سواء في الكويت او في داخل العراق ؟ مجاميع البعثيين عادة في العراق هي التي تتصدى لطرح مسألة إيقاف التعويضات والديون، وأنا مع ضرورة أن يتم التعامل مع العراق الجديد بطريقة مختلفة تماما عن زمن صدام حسين. وإنصافا ان العراق استمع إلى كلام طيب جدا من سمو أمير الكويت وسمو ولي العهد ورجال الكويت المسؤولين عن الملفات المعنية بهذه القضية، ولكن حينما نسمع حديث الاسلاميين، الاسلاميون في داخل مجلس الأمة الكويتي، نجد أنهم يتحدثون بطريقة تتناغم وتتطابق تماما مع الروح البعثية، ونحن نعلم ان هؤلاء مع أولئك في فترة غزو الكويت كانوا واحدا، يعني هم من أعطى الأزمة الكويتية الكثير من الشرعنة، والكثير من هؤلاء كانت مواقفهم في قضية الغزو إما سلبية أو متفرجة في أحسن الأحوال، بينما كان الفريق المندفع لنجدة الكويت، سواء من الكويتيين أو من خارج الكويت، وتحديدا من العراق، فهم الفريق المناهض للبعثيين، ولدينا مئات الأدلة حول هذه المسألة.
لذلك أنا أقول بان العراق ليس هو فقط معنيا بحظر حزب البعث، وإنما المنطقة ايضا معنية بحظر هذا الحزب، وأنا افرق طبعا بشكل واضح ما بين حزب البعث وأدائه في سورية أو الجناح اليساري من حزب البعث والجناح الصدامي، هناك فرق واضح جدا بين المسارين، حزب البعث السوري له مواقفه الوطنية جدا، وايضا على اقل التقدير معنا كعراقيين، نحن لم ينصرنا آنذاك إلا دول قليلة جدا، في الدرجة الأولى الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفي الدرجة الثانية الجمهورية العربية السورية.
• هل يمكن تفسير كلامكم هذا على انه دعوة موجهة لدول عربية، كالكويت مثلا، لأجل ان تلعب دورا في الضغط على الأطراف العربية التي تأوي قادة البعثيين، لتسليمهم إلى القضاء العراقي، خشية ان يعودوا غدا إلى العراق وينخرطوا مجددا في إثارة الأزمات مع الجيران؟
- لن يأتي ذلك اليوم بإذن الله، ولكن مثل هذه القضايا تحتاج إلى مجموعة اتفاقات أمنية، وعادة لابد من وجود اتفاق امني بين دولة وأخرى يسمح بتبادل المتهمين، لكن الأصل وجود لائحة اتهام ومتهم وتسمية هذه الدولة أو تلك لذلك الشخص بأنه متهم بالقضية الفلانية. وأنا اعتقد أن الظروف مازالت مبكرة للتحدث عن هذه القضايا، وأحسب عدم إفساح المجال لهؤلاء في العمل ضد العراق إنما هو مساهمة في ضمان استقرار هذه البلدان تحديدا.
وللأسف وهذا ما يؤلمني جدا، أن أرى في بعض مناطق الكويت أو بعض الديوانيات الكويتية أطرافا تعمل بشكل جدي من اجل تغذية هؤلاء ودعمهم، ولو طلب مني أسماء لسميت، بيد ان طبيعة الإعلام لا تسمح بتناول مثل هذه الحقائق. لكن الكويت التي تألمت من البعثيين كما لم تتألم من قبل أي جهة أخرى، الكويت التي نزفت واغتصبت وأحرقت ودمرت، وأخرج شعب بكامله من بلده بالطريقة التي تحولت فيها الكويت إلى ما يشبه الأرض المحروقة، كيف يمكن لها ان تسمح بمثل هذه القضايا؟
• كيف تقيمون العلاقات الحالية بين العراق والكويت؟
- العلاقة بيننا وبين الإخوة في الكويت، ماعدا حالات الشغب السياسي التي تحصل في بعض الأحيان، اعتقد انها علاقات متميزة، وعلاقة نحن ننظر إليها بأكثر من اتجاه، وإنها يجب ان تكون علاقات استراتيجية. ليست مصالح تكتيكية ان نتحالف معهم او نتحاور او نتصالح او نتعاون اليوم حتى يمكن أن يتغير هذا الأمر غدا، نحن وهم جيران شئنا ذلك أم أبينا، والجيران إذا أرادوا أمانا واستقرارا عليهم ان يؤمنوا جيرانهم الآخرين.
والنتيجة أنا أتطلع إلى ما هو أكثر من الوضع الحالي، في طبيعة التمايز والتعاون، وفي طبيعة العمل على ملفات مشتركة أثارتها جرائم صدام وأثارتها الأحداث التي تعاقبت، العمل بالطريقة التي تفتت الأزمات المستقبلية، وبالطريقة التي تسد الثغرات التي يمكن ان يأتي العدو المشترك للعراق والكويت من خلالها، وفي طبيعة الأحداث السياسية هنالك الكثير مما يمكن ان ينفذ اليه من قبل المعادين.
نحن لا ننظر للشعبين العراقي والكويتي باعتبارهما شعبين مختلفين، هما شعب واحد والعروبة تجمعهم، وفي الكثير من الأحيان تجمعهم العلاقات العشائرية، والإسلام والجيرة، وطبيعة المخاطر التي تهدد أي واحد منهم تهدد الآخر. القواسم المشتركة الكبرى وهذا ما يميز طبيعة العلاقات بين العراق والكويت، لذلك لا يوجد هناك أي مجال للساسة الكويتيين والعراقيين على حد سواء ان ينظروا لهذه العلاقة بطريقة المشاكسة او المشاغبة او المناكفة السياسية بل حتى غير السياسية. والأصوات التي ترفع هنا او ترفع هناك، تارة باسم حقول النفط او أخرى باسم الحدود وثالثة باسم الموانئ ورابعة باسم التعويضات والديون او ما الى ذلك، هذه ملفات يجب ان توضع على نار هادئة، وعلينا ألا نتوقع أن نصل الى نتائج دراماتيكية فيها، يعني لا نصل الى نتائج سريعة في اي من هذه الملفات.
نعرف جيدا ان النظام الصدامي المجرم أساء بشكل رهيب الى العلاقة، وطبيعة الجار الصغير ان نسبة المخاوف والهواجس لديه تكون عالية جدا، لذلك على الفريق او السياسي العراقي ان يتجه دوما الى عوامل الطمأنة وتوثيق العلاقة، وعلى الكويت ان توظف الإمكانات المتاحة لها في ان تفسح المجال لحالات الطمأنة لأن تتكرس على الواقع العملي، ولو نظرنا لما يجري على الساحتين معا، سنجد ان من يثيرون مشكلة العلاقة بين العراق والكويت هم فريق واحد، فريق تعامل مرة بأسماء طائفية وأخرى بأسماء قومية، وبالنتيجة هو لا يخدم هذه الطائفة او تلك ولم يخدم هذا الشعب او ذاك بقدر ما يخدم اجندة تختلف تماما عن مصلحة الشعبين.
أفتخر اننا في المجلس الإسلامي الأعلى استطعنا ان نمضي بالعلاقات العراقية - الكويتية بشكل حثيث نحو الازدهار، ومنعنا الكثير من المحاولات التي كانت تتحرك في اطار اثارة الغبار بين الشعبين، وهذا الأمر لا أتحدث عنه من باب المزايدة والشعارات الإعلامية بقدر ما أتحدث عن واقع، جربه الاخوة الكويتيون معنا أثناء محنة الكويت، وكيف وقف المجلس الأعلى آنذاك، حيث وظف كل ما لديه من امكانات من اجل خدمة الموضوع الكويتي، بل أقول ان بعضا من مقاتلينا قد قتلوا في داخل الكويت دفاعا عن الكويت، ولعله للمرة الأولى يتم الكشف عن هذا الأمر، ان بعض المجاهدين ذهبوا الى الكويت للقتال مع إخوانهم هناك ضد النظام الصدامي المجرم، التحمت دماؤنا ودموعنا وتضحياتنا مع إخواننا الكويتيين.
• تعني عناصر من قوات بدر؟
-انا اتحدث عن المجاهدين. وهنا ايضا كان لشهيد المحراب (محمد باقر الحكيم) دور كبير جدا في عملية إرساء العلاقات الايجابية بيننا وبين الكويت، وأتذكر هنا انه في الأيام الأولى قبل الغزو كان شهيد المحراب كلفني بالتواصل مع الإخوة في السفارة الكويتية في دمشق لإبلاغهم بخطورة الوضع الموجود في الكويت، وأتذكر أني التقيت بالسفير، وربما لعله كان آنذاك احمد عبد العزيز الجاسم، وأبلغته برؤية السيد الحكيم للموضوع، وللأسف لم يتم النظر إلى هذا الأمر وكأنه جدي بالطريقة التي كنا نحن ننظر اليها، وحصلت الكارثة وتم الغزو. ومهما يكن فاننا نفتخر بان لنا سجلا من العلاقات الوطيدة، وراغبون جدا من خلال العراق الجديد، ومن خلال سعينا لتثبيت النص الأساس للدستور، في ألا يكون العراق قطبا عدائيا لأي دولة من دول المنطقة، بل يكون دوره ودور السياسة الخارجية العراقية هي إيجاد التعاون بين العراق ودول المنطقة كافة.
• لماذا لا تتم الاستفادة من تجارب بعض الدول في معالجة ظاهرة الفساد الإداري لموظفي الدولة، وذلك عبر تشكيل مكاتب خاصة شبه أمنية يتسم أفرادها بالنزاهة، مهمتها مراقبة أداء الموظفين ومحاسبة الفاسدين؟
- المشكلة اننا ورثنا نظاما ومجموعة من الكادر الإداري الذي بقي في هذه الوزارات كان أسس نفسه على الفساد الإداري ولدينا مجموعة كبيرة من المؤسسات التي تعمل على هذا،ولكن اعتقد ان مهمتنا لن تكون مهمة سهلة، وهي ليست مهمة سريعة النتائج، انها تحتاج الى فترة كبيرة، والآن لدينا قتلة في البرلمان ولا يستطيع القضاء العراقي ان يصل الى هؤلاء بسبب مشكلة رفع الحصانة البرلمانية.
• بعض الأطراف في العراق، وبعد اللقاء الذي جمع القيادي في المجلس الإسلامي الاعلى نائب رئيس الجمهورية عادل عبدالمهدي مع ممثل قيادة قطر العراق لحزب البعث محمد رشاد الشيخ راضي، أعربت عن اعتقادها بان المجلس بدأ يسابق رئيس الوزراء لكسب ود البعثيين. ما رأيك؟
- هذه هي نفس الأطراف التي كانت تتحدث قبل يومين أثناء تحليلها لمهزلة الانتخابات المحلية التي جرت، حيث كانت تقول ان المجلس الأعلى معروف بتشدده مع البعثيين، اذاً كيف أصبح يتنافس ويتسابق على البعثيين؟ ان الاخ الشيخ راضي يعتبر أولا معارضا قديما ولا يمكن خلط اوراق منظمة قطر العراق، واعني بذلك الجناح اليساري من حزب البعث، وهو الجناح الذي يوالي سورية كما هو معروف، لا يمكن خلط أوراقه مع اوراق حزب البعث الذي يؤمن بصدام حسين وميشيل عفلق.
واعتقد ان الأجنحة المرتبطة برئيس الوزراء هي التي أشاعت هذا الجو حتى يقولون بأننا لسنا وحدنا في هذا الوضع، وأنا أؤكد عدم وجود فريق سياسي من القوى الرئيسة في البلاد يدعم هذا التوجه، اذ لا يمكن للتحالف الكردستاني وحتى الحزب الإسلامي فضلا عن المجلس الإسلامي الأعلى ان يضعوا أياديهم في أيدي بعثيي صدام حسين، من يريد ان يعود من هؤلاء البعثيين ليعد، أهلا وسهلا، ولكن ليعلن براءته وليعلن ما يمكن ان يطمئننا.
• هل كلامكم هذا يعني انه في إمكان البعث اليساري من جماعة محمد رشاد الشيخ راضي المجيء إلى العراق والعمل تحت لافتة حزب البعث؟
- لم يغلق الباب عليهم أبدا في السابق، ان اسم حزب البعث بعنوانه حزب البعث، مكروه في الشارع العراق ولا اعتقد ان أحدا يمكن له ان يحظى بجماهيرية اذا حمل هذا العنوان، لكن نحن لم نمانع من وجودهم إطلاقا في هذه الفترة. نعم لدينا ملاحظاتنا ان هذا الاسم قد يكون مظلة لحماية أشخاص آخرين ولاختراقات متعددة. لدينا ملاحظاتنا الأمنية، وتشددنا هو مع بعثيي صدام حسين ولا يمكن أن نقبل بهؤلاء ابدا، وبالنتيجة اذا كانت دعوة رئيس الوزراء منصبة على بعثيي صدام حسين لا يمكن لنا ان نتسامح مع موقف من هذا القبيل، لكن إذا كانت تعني بعثيين آخرين فعلى العكس، لأن مشروع المصالحة الوطنية الذي نؤيده هو لهؤلاء وأمثالهم.
• طرح رئيس الجمهورية جلال طالباني فكرة اعتزال السياسة والتفرغ لكتابة مذكراته، وكانت وسائل الإعلام أشارت العام الماضي إلى إمكانية اختيار نائب رئيس الوزراء برهم صالح خلفا لطالباني، كيف تنظرون للأمر؟
- أنا أتمنى ألا يأتي اليوم الذي يستقيل فيه الرئيس جلال طالباني، لأنه أدى دوره بشكل كفء جدا وكان قطبا متعادلا استطاع أن يجنب العراق الكثير من العواصف السياسية أثناء هبوبها، ولو قدر انه قدم الآن استقالته فالمنصب محفوظ للتحالف الكردستاني، وهو المعني بتقديم المرشح.
وطبعا إن أداء الدكتور برهم صالح كان الى حد كبير في النسق نفسه الذي كان يسير عليه الرئيس جلال طالباني، فهو يحتفظ بعلاقات جيدة مع مختلف الأطراف، ولكن يبقى فهمه للمشكلة العراقية والطبيعة العراقية قطعا ليس كفهم طالباني، من حيث الخبرة والعمر وما الى ذلك.
• لدى بلدان المنطقة مخاوف إزاء تنامي القدرة النووية والعسكرية والصاروخية تحديدا لإيران. هل لديكم في العراق نفس الهواجس والمخاوف؟
- نحن واثقون من ان ما يجري في داخل ايران يمكن ان يقدم عطاء متميزا لدول المنطقة، غاية ما هنالك ان هذا العطاء يجب ان يرتكز على قاعدة من قواعد التعاون الجدي، وهناك مسؤوليتان متعاكستان، الأولى مسؤولية الجمهورية الإسلامية الإيرانية لإيجاد قواعد هذا التعاون بشكل جدي ورفع حالة الطمأنة الى مستوياتها العالية والوثيقة، من خلال العلاقات المشتركة، وتنمية هذه العلاقات والحرص على مصالح الشعوب الأخرى. ومسؤولية أخرى تقع على عاتق دول المنطقة، هذه الدول عاشت مع الجمهورية الإسلامية تجارب متعددة وجربت حالة الاستعداء لإيران وحالة التوجس منها وحالة التعاون معها، واعتقد أنها رأت في الجمهورية الإسلامية ما يمكن ان يثري حقيقة علاقات التعاون.
ومن الواضح جدا - ولا اعتقد ان احدا يخالف - ان إثارة المخاوف الأمنية بين الدول انما يرتبط بأجندات متعلقة بمنظومات تسليحية صناعية، لذلك لا بد من إثارة الخطر وإخافة الآخرين حتى يمكن ان تستدر الأموال لمصانع الغواصات والطائرات والمدمرات كما حصل بالنسبة للسعودية حينما تستورد أسلحة بقيمة 9 مليارات دولار، حيث كان بإمكان هذه المليارات ان تتحول الى مشاريع الإعمار والرفاه في داخل المملكة، لكن هي شعرت بطريقة او بأخرى وبأسلوب او بآخر بالخطر.
وهنا انا لا انزه او لا احكم بالايجابية على كل السياسات الإيرانية، ربما هناك أخطاء، لكن في الإمكان العمل المشترك بين هذه الدول لإيجاد منظومة علاقات تبني مصالح مشتركة حقيقية.
• لكن المخاوف الإيرانية مازالت قائمة وربما ستبقى إلى أمد ليس بالقريب جراء العداء المتأصل بينها وبين واشنطن وتل أبيب؟
- أعتقد ان السبب لا يعود للسلاح الإيراني بقدر ما يعود لهوية النظام الإيراني، فهذا النظام ذو هوية ممانعة في طبيعة منظومة علاقات دولية تريد أميركا ان تقننها، وهذا النظام وجد في المنطقة التي تعتبرها أميركا لها حساسيتها الاستراتيجية الكبرى، وبالنتيجة حينما يأتي نظام ممانع، ولا استخدم كلمة مشاكس، ممانع للإرادة الاميركية، سيبقى هو المستهدف، اليوم عنده سلاح نووي وغدا عنده سلاح عصافير، هو مستهدف بكل الحالات.