علي محمد الفيروز / إطلالة / الكويت ... «أكبر من أي شيء»

1 يناير 1970 08:34 ص
فرجت الازمة السياسية التي خيمت على البلاد وعلى مجلس الامة تحديدا بعد ان كانت الاجواء ملبدة بين الحل الدستوري وغير الدستوري بسبب قبول استقالة حكومة سمو الشيخ ناصر المحمد من صاحب السمو امير البلاد، ولاتزال الحكومة المستقيلة مستمرة في «تصريف العاجل من الامور لحين تشكيل الحكومة الجديدة، وقد كانت استقالة الحكومة مرفقة ببيان اسبابها متعذرة ومتمسكة بمصطلح التعسف وعدم التعاون والشخصانية، وهي اسباب قد تعودنا على سماعها وسط الاجواء الماضية التي كانت مشحونة سياسيا بين السلطتين، ووصلت إلى طريق مسدود، وللخروج من دائرة الازمات المتكررة، ومواجهة الاحدث، خرج مقترح اعادة دمج منصبي ولاية العهد مع رئاسة مجلس الوزراء، او اللجوء لخيار الحل الدستوري ثم الدعوة إلى اجراء انتخابات جديدة من خلال مرسوم بتعديل مناطق الكويت إلى عشر دوائر، غير ان صاحب السمو امير البلاد بحكمته قد اطفأ نار الازمة السياسية بعد ان انتصر لدستور 62، وتأكيده على تمسكه بالثوابت الدستورية عن طريق اصداره مرسوم رقم 85 لسنة 2009 بحل مجلس الامة وفقا للمادة 107 من الدستور بسبب عدم تقيد البعض من الاعضاء باحكام الدستور والقانون، وما قررته المحكمة الدستورية في خصوص استخدام الادوات البرلمانية على اعمال السلطة التنفيذية، ومحافظة على امن الوطن واستقراره، خصوصا بعدما اصيبت البلاد بموجة غير طبيعية من الاشاعات التي تتمثل في الحل غير الدستوري بقوة، وربما جاء ذلك من نوعية الفراغ السياسي الذي خيم على البلاد، ومن حالة الاحباط الشديد الذي اصاب المواطن، ودفع بعض وسائل الاعلام لتوجيه الرأي العام في هذا الاتجاه كما صرح بذلك صاحب السمو الامير في كلمته السامية، ولكن يقع اللوم الاكبر على ردود افعال بعض الاخوة النواب السابقين الذين اصبحوا ينادون بالحل غير الدستوري مع الاسف، وهو امر مستغرب طالما هو عضو في المجلس ويمارس دوره التشريعي وفق الدستور، بينما هناك البعض من رحب بأمر الاستقالة وعدم خشيته من الحل الدستوري ان صار يلبي رغبات النواب، والشارع الكويتي الذي سئم من الممارسات النيابية والحكومية وسط الصراع المستمر بين حين وآخر، مع فقدان تجانس السلطتين، لذلك ان كان ذلك حلا دستوريا ام غير دستوري للمجلس، فإن سموه قد وضع حدا للازمة والصراع معا، وفي الوقت نفسه نجده يلبي مصلحة وطنية عليا لا يعلمها الا سموه، ولكن على اي حال، لم يكن من مصلحة البلاد ان يظل شبح الفراغ السياسي قائما لفترة طويلة تحت ظل انتشار هذا الكم من الاشاعات والاقاويل التي ظهرت في الفترة الماضية، لانها ساعدت على زيادة الصدام بين السلطتين، واسهمت في انهيار اكثر لسوق الاقتصاد (البورصة)، نعم نستطيع القول بان صاحب السمو امير البلاد حفظه الله قد اختار قراره في الوقت المناسب واصاب الحكمة، بل وفرّح اهالي الكويت عندما انتصر لدستور عام 62 ليحل المجلس حلا دستوريا حتى ينهي اشاعة الحل غير الدستوري للمجلس، وكان ايضا قرار استقالة الحكومة حاسما، رغم وجود خيارات عدة، صحيح ان خيار مواجهة الاستجوابات النيابية كان الافضل والاسرع لاحتواء الازمة بين الحكومة والمجلس ولكننا لا نعلم ما كان سيدور حول هذا الكم من الاستجوابات من اسرار ومفاجآت مقبلة، الا ان هذا الجدل قد انتهى بتقديم الحكومة استقالتها، وعلى اي حال لا يمكن ان نرمي كل اللوم وثقل المشكلات على البرلمان وحده عند حدوث اي ازمة سياسية او اقتصادية تظهر، لكن لابد من الاعتراف ان الحكومة المستقيلة تميزت بالضعف والتردد في اصدار القرارات والقوانين التنموية التي تهم البلاد، فلا يمكن باي سبب من الاسباب ان نعلق المشاريع التنموية في البلاد بسبب عصا الاستجوابات النيابية عند كل مناسبة، فلو نرجع إلى الوراء قليلا نجد ان هناك قرارات سبق للحكومة ان اتخذتها ووافقت عليها بالاجماع ولكنها بقدرة قادر تراجعت عنها سريعا، وتنازلت عن كل التوصيات بمجرد التلويح باستجواب نيابي، وهذا ما اثار حفيظة غالبية النواب في الفصل التشريعي السابق الذين اتهموا الحكومة المستقيلة بالضعف والتردد في استخدام السلطة، وهذه مؤشرات كانت تدل على ان الحكومة المستقيلة لم تكن قادرة على الصمود والاستمرار، خصوصا امام الازمات المتلاحقة والصراعات النيابية. ان خيار الاستقالة من الحكومة المستقيلة كان شبه مطروح ومتداول بين الاوساط السياسية، وكتاب عدم التعاون بين السلطتين ليس بجديد على الشارع الكويتي الذي لم يشاهد اي مشاريع تنموية على ارض الواقع، ولا حتى صدور اي قانون يستطيع ان ينتشل البلاد من هاوية سقوط الاسواق المالية والاقتصادية، وانما شاهدنا ازمة تلد اخرى، وولادة حكومات قصيرة العمر، وحلا بعد حل للمجلس إلى ان تفاقت الامور السياسية والاقتصادية في غياب القرارات المناسبة، فيبقى السؤال هنا: إلى متى تسوء العلاقة بين السلطتين، والى متى ستتعاقب الحكومات القصيرة، والى متى سيستمر الضعف الحكومي في مواجهة البرلمان وسط الازمة الاقتصادية وانهيار السوق المالي، والى متى ستتأخر المشاريع التنموية في البلاد، هل يقع اللوم على الحكومة ام البرلمان في هذا الجانب؟
كلها إذا اسئلة يجب ان نجد لها جوابا وافيا وشافيا وسط الظروف الاقليمية المحيطة، نعم كلنا نحب ونعز الكويت لانها الشيء الوحيد الذي يجمعنا رغم اختلاف توجهاتنا وآرائنا، وهي كما قال صاحب السمو اميرنا المفدى في كلمته: «اكبر من اي شيء» ولكن في الوقت نفسه لا نعرف إلى اين نحن ذاهبون، وما هي نهاية هذه الديموقراطية التي تتمثل في وجود البرلمان والحريات وهي نعمة من نعم الله ومحسودون عليها، فهل نحن فعلا نسير وفق ديموقراطية صحيحة ام ان النفوس قد تغيرت ولم تعد تحتمل المزيد؟ لدي احساس باننا ندور في دوامة مفرغة والله اعلم، وعلى الحكومة والمجلس المقبل ان يبدآن بصفحة جديدة مليئة بالانجازات من اجل الكويت ومن اجل شعبها.
وفي اول ردة فعل على كلمة صاحب السمو امير البلاد حفظه الله ورعاه، اشاد رئيس مجلس الامة السابق الاخ جاسم الخرافي بحكمة وحنكة سموه، وفي بعد نظر سموه على امور البلاد، وحرصه الشديد على الثوابت الدستورية والوطنية التي هي بمثابة وسام على صدورنا، مؤكدا على انه ليس غريبا على سموه، وقال الخرافي: «ان حضرة صاحب السمو امير البلاد عودنا دائما على حرصه الشديد وتمسكه بدستور 62، معربا عن امله في ان تشهد الحياة السياسية الكويتية توزانا وتوافقا اكبر في المستقبل القريب».
نعم لقد تحملت يا بوعبدالمحسن الكثير والكثير من المصاعب السياسية والظروف السيئة التي عصفت بالبرلمان تمثلت بأزمات متتالية بين السلطتين، فكنت خير انسان لها وتميزت بالصبر والحكمة، والعظة، في ادارة الامور السياسية، وكنت خير القادرين على ادارة المجلس، وفقك الله فيما تتمناه يابوعبدالمحسن، وان شاء الله نشوفك في المجلس المقبل. حفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه.


علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]