خيرالله خيرالله / سلام فيّاض استقال لإزالة مبررات العرقلة!

1 يناير 1970 03:47 م
كلام كثير، معظمه لا معنى له رافق تقديم الدكتور سلام فيّاض استقالة حكومته. كل ما في الأمر أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية صار حاجة ملحة أكثر من أي وقت. استقالت حكومة سلام فيّاض كي لا يعود هناك مبرر لمنع تشكيل مثل هذه الحكومة. الأهم من ذلك، أن حكومة الوحدة الوطنية التي تشارك فيها شخصيات محترمة تمثل كل الاتجاهات الفلسطينية، أو لنقل معظمها، تشكّل الوسيلة الوحيدة لتمكين المجتمع الدولي من إعادة إعمار غزة، وصرف الأموال المخصصة لعملية إعادة الإعمار بطريقة يستفيد منها الفلسطينيون عموماً، وأهل غزة بشكل خاص.
ليس صحيحاً أن هناك خلافات من أي نوع كان بين رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية السيد محمود عبّاس (أبو مازن) من جهة والدكتور فيّاض من جهة أخرى، كما يدّعي المسؤولون في «حماس». على العكس من ذلك، هناك اتفاق بين الرجلين على أنه في حال كانت «حماس» ترى في الحكومة الحالية، وهي «حكومة انتقالية»، شكلت أصلاً في انتظار الانتخابات التشريعية والرئاسية، حجة لتفادي التوصل إلى أي اتفاق، ليس ما يحول دون التخلص من هذه الحجة. السؤال الآن ماذا تريد «حماس»، هل تعتقد أن في الإمكان الاستفادة من المساعدات الدولية والعربية التي اقرت في «مؤتمر شرم الشيخ»، أم ترى أن صرف هذه المساعدات عن طريقها أولوية الأولويات؟ وهي تفضل في واقع الحال عدم حصول غزة على أي مساعدات في حال كان مطلوباً تشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى عملية إعادة الإعمار. بكلام أوضح، هل تفضّل «حماس» بقاء غزة مدمرة على أن تكون عملية إعادة الإعمار عن طريق حكومة تضم شخصيات وطنية تمتلك حدّاً أدنى من الشفافية، ونظافة الكف، والمؤهلات الحقيقية تعطي صورة حضارية عن الشعب الفلسطيني؟
تمثل حكومة الوحدة الوطنية ضرورة لإعادة إعمار غزة المنكوبة. المؤسف أن «حماس» وفرت للعدو الإسرائـــــيلي كل المــــبررات ليمارس إرهاب الدولة فــيــــما العـــــالم يــــتفرّج. استــــطاعت «حــــــماس» بما تمتـــــلكه من مواهب، بما في ذلك الصواريخ المضحكة - المبكية التي تطلقها من بين البيوت، إظهار إسرائيل في مظـــــهر الضحية، في حين أن الضحية الحقــــيــــقية هو الشعب الفلســـطيني الباحث عن حقـــوقه، وعــــن زوال الاحــــتلال عــــن الضــــفة الغربية بما في ذلــــك القدس الشرقية... بعدما تحقق الانسحاب الكامل من غزة صيف العام 2005.
كل ما هو مطلوب حالياً التوصل إلى اتفاق على حكومة وحدة وطنية لا تكون مهمتها مقتصرة على صرف المساعدات التي أقرها «مؤتمر شرم الشيخ» فحسب، بل تعمل من أجل إقناع المجتمع الدولي أيضاً بأن هناك عملية سياسية يمكن إطلاقها، وأن حل الدولتين لا يزال حياً يرزق. في غياب حكومة الوحدة الوطنية، لن تقتنع الإدارة الأميركية الجديدة، التي أرسلت مبعوثاً خاصاً إلى الشرق الأوسط هو السيناتور السابق جورج ميتشيل، بأن ثمة أملاً بإعادة الحياة إلى العملية السلمية. وحدها حكومة الوحدة الوطنية يمكن أن تثبت للمجتمع الدولي أن الفلسطينيين قادرون على إعادة لمّ صفــــوفهم، والانـــخراط في مشروع سياسي قابل للحياة هو مشروع الدولـــــتين الذي لا يؤمن به بنيامين نتنياهو كما لا تؤمن به «حماس» والذين يحركونها من طهران ودمشق. هل صدفة أن جبهة الرفض، أي الجبهة الرافضة للسلام، تضم اليمين الإسرائيلي المتطرف والمحور الإيراني- السوري، وبعــــض الرؤوس الحامية من «حماس»؟
سيكون قيام حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية دليلاً على أن الفلسطينيين قادرون على التصالح مع أنفسهم ومع قضيتهم، وعلى أنهم تعلموا شيئاً من تجارب الماضي القريب، بما في ذلك تجربة حرب غزة الأخيرة. ستكون حكومة الوحدة الوطنية دليلاً على أن الفلسطينيين يفرقون بين الممكن والمستحيل، وأنهم يرفضون أن يكونوا وقوداً في صراعات لا علاقة لهم بها كما حصل ابان حرب غزة. أكثر من ذلك، ستثبت حكومة الوحدة الوطنية، في حال ضمت شخصيات محترمة فعلاً قادرة على التعاطي مع المجتمع الدولي ومقبولة منه، أن الفلسطينيين يرفضون استمرار الكيانين المنفصل كل منهما عن الآخر، ويرفضون الحكومتين، ويرفضون قبل كل شيء الاحتلال ويعملون على التخلص منه.
في غياب حكومة الوحدة الوطنية، سيتبين أن «حماس» لا تزال أسيرة الجندي الإسرائيلي الذي تحتجزه منذ يونيو 2006، وهي تراهن على أنه سيكون في استطاعتها في المستقبل القريب الاستيلاء على الضفة الغربية تماماً كما استولت على غزة منتصف العام 2007. ماذا سيعني ذلك؟ سيتأكد أن «حماس» لا تمتلك حرية قرارها، وأن همها الأول تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني عن طريق اخضاعه... وأن إعادة إعمار غزة آخر هم من همومها. ستؤكد «حماس» أن رهانها هو على ضعف «فتح». قد يكون الرهان على ترهّل الحركة الفلسطينية الأم في محله، ولكن يبقى السؤال ماذا بعد، ماذا إذا ســــقــــطت «فتــــح»، ومــــاذا إذا سيطرت «حماس» على الضفة والقطاع، وماذا إذا استمر الحصار على غــــزة؟ الجــــواب بكــــل بســــاطة أن الوقت لا يخدم الفلسطـــينيين. كلــــما استعجلوا قيام حكومة الوحدة الوطنية، كلما كان ذلك في مصلحتهم. حبّذا لو يكون سلام فـــــيّـــاض رئيساً لهذه الحكومة. الرجل أثبت أن لديه رصيداً كبيراً في أوروبا، والولايات المـــــتحدة، ولدى القـــــادرين على مساعدة القضية الفلـــــسطينية، ولدى الفلسطينيين الذين يمتلــــكون حداً أدنى من المنطق والوطنية. ولكن من قال ان الفلسطينيين ليسوا أعداء أنفسهم؟


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن