علي محمد الفيروز / إطلالة / غوانتانامو... تشيني... حيص بيص

1 يناير 1970 06:45 ص
لم يكن التقرير الذي اعدته وزارة الدفاع الاميركية بناء على تعليمات الرئيس باراك اوباما عن التحقيق في اجراءات الاعتقال في قاعدة غوانتانامو واضحا من ناحية الوقائع والدلائل التي تفيد بوجود تجاوزات واضحة في المعاملة التي كانت تدور في معتقل غوانتانامو في الاعوام الاخيرة.
بل جاء تقرير «البنتاغون» محملا بتوصيات وملاحظات تفيد ان معتقلي غوانتانامو تلقوا معاملة انسانية طبقا لاتفاقيات جنيف والقوانين الاخرى التي تعترف بها الولايات المتحدة، وهذا بالتأكيد يخالف اعتراف الرئيس اوباما الذي اكد بنفسه في مناسبات عدة من ان هذا المعتقل يشكل انتهاكا للقوانين الوطنية والدولية! في حين يرى المراقبون السياسيون ان التقرير المعد من «البنتاغون» غرضه اخفاء الحقائق والتجاوزات السياسية التي مارستها ادارة الرئيس السابق جورج بوش، والمعاملة السيئة التي لقيها هؤلاء المعتقلون في المعتقل، لذا فإن نتائج التحقيق في هذا الشأن لم تكن مفاجأة بالنسبة اليهم، فهناك منظمات اميركية للدفاع عن الحريات المدنية وحقوق الانسان تؤكد شبهات موثقة حدوث تجاوزات غير انسانية ومعاملة سيئة كان يتلقاها معتقلو غوانتانامو وصلت إلى حد التعذيب الجسدي والنفسي، ما يعني ان هناك شكوكا تحوم حول دقة تقرير «البنتاغون»، كما ان مضمون التقرير قد نصح هؤلاء المعتقلين تخفيف عزلتهم من خلال التواصل في ما بينهم والسماح لهم بمزاولة المزيد من الانشطة الترفيهية المفيدة، وايضا اقامة الصلوات الجماعية للحفاظ على المعاملة الانسانية والتواصل، ليتم القضاء على اي افكار او انشطة ارهابية قد يمارسونها عند الافراج عنهم مستقبلا.
نرى ان الفريق المكلف مراجعة ودراسة ملفات المعتقلين والبالغ عددهم 240 معتقلا، «محتار» ما بين نقل او اطلاق المعتقلين، او حتى في ملاحقتهم بالجرائم التي قد يكونون قد ارتكبوها، وبالتالي فالحكومة ستتعامل بهذا الملف المصيري وفق اطار احترام الامن القومي اولا، ثم مراعاة مصالحها في الشرق الاوسط، وذلك لتتمكن الادارة الحالية من اتخاذ القرار وفق الطرق القانونية، على اعتبار ان اسرى الحرب ليسوا مجرمين، وكما تطالب اتفاقيات جنيف الدولية بمعاملة هؤلاء معاملة انسانية، والافراج عنهم بعد انتهاء اي نزاع بين الدول.
على اي حال، فالرئيس الاميركي باراك اوباما الآن امام موقف مصيري صعب وقد تقلب الموازين السياسية والانسانية، وتتطلب منه مواجهة جريئة لقضية تعتبر من اهم القضايا السياسية فهناك اصوات تتعالى بين حين وآخر من سياسيين اميركيين رافضين فكرة ارسال معتقلين من غوانتانامو إلى ارض الولايات المتحدة، ويطالبون فريق اوباما المختص بعدم ارسال هؤلاء إلى ولاياتهم الاميركية، حيث يثور الجدل بين فترة واخرى على المكان الذي سيتم نقل المشتبه في صلاتهم بالارهاب، وهل المكان المختار مناسب لهم ام لا؟ بيد ان هناك مصادر عسكرية تؤكد انه من الممكن ان يكون المكان الجديد لهم هدفا سهلا للارهابيين لذلك تطالب بعض الولايات التي توجد فيها سجون اتحادية او عسكرية بارسال معتقلي غوانتانامو إلى اي مكان آخر خوفا من ان تصبح تلك الولايات مناطق جاذبة للارهاب.
ورغم الاصوات المتعالية والمعارضة لسياسة الرئيس اوباما الجديدة الا ان قراراته الرئاسية اصبحت متوافقة مع الجماعات المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان والحكومات الغربية الاخرى التي تطالب باغلاق هذا المعتقل للشبهة، لافتقاره إلى ابسط المعايير القانونية الاساسية منذ زمن افتتاحه عام 2002 في القاعدة البحرية الاميركية الواقعة في كوبا، حتى اصبح وصمة عار في سجل حقوق الانسان للولايات المتحدة ولكن هذا غير متوافق مع اعضاء مجلس الشيوخ من «الحزب الجمهوري» الذي يقف دائما وراء اي عملية افراج للمعتقلين، ويسعى إلى منع ارسال المعتقلين إلى اي سجون داخلية على الاراضي الاميركية، بينما في المقابل هناك توجه شديد من رجال السياسة، خصوصا اعضاء الحزب الديموقراطي على ان يتم ارسالهم إلى
موطنهم الاصلي او الدولة التي جاؤوا منها إلى المحاكمة، وهو ما حصل للاثيوبي بنيام محمد المعتقل في غوانتانامو منذ عام 2004، إذ قامت السلطات الاميركية في اول عملية نقل له إلى بريطانيا حيث كان يقيم سابقا، بعدما تعرض بنيام إلى التعذيب بوسائل بدائية متعددة خلال فترة اعتقاله. ولكن على اي حال تبقى مشكلة التخلص من هؤلاء المعتقلين الذين تعتبرهم الولايات المتحدة «ارهابيين» وترفضهم بلدانهم العائق الوحيد امام وزارة الدفاع الاميركية، فهناك نحو 60 معتقلا من اصل 500 معتقل لم يتمكنوا من الرحيل الى بلدانهم، لان بلادهم لم تقبلهم اصلا، وهنا المشكلة! فوزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون» حائرة بين بقائهم في السجون الاميركية ومحاولة ارسالهم إلى دول اخرى «ثالثة»، ولكنها مدركة لردة الفعل الداخلية العنيفة التي جاءت نتيجة للاحتجاجات عما يجب فعله مع المعتقلين المتبقين وعددهم 245 شخصا، اضافة إلى عدم ملاءمة السجون الاميركية الداخلية لهم كونهم من اخطر النزلاء في تاريخ السجون الاميركية.
مصادر من «الحزب الديموقراطي» تؤكد ان ما يقوم به الاخرون التفاتة لاحراج طاقم ادارة الرئيس اوباما الجديد من النهج الجديد للسياسة الاميركية المقبلة، ولكنها ليست نهاية المطاف كون للكونغرس سلطة في انشاء سجون اتحادية ويستطيع ان يحدد فيه المواقع الجديدة من دون الحاجة إلى اللجوء إلى سجون اخرى كسجن «سوبر ماكس» الاتحادي الواقع في ولاية كولورادو، والذي يضم حاليا أخطر النزلاء، وفي هذا السياق، نجد ان نائب الرئيس الاميركي السابق ديك تشيني من اشد المعارضين لخطوات قضية غوانتانامو وسياسة اوباما الجديدة للمرحلة المقبلة.
لذا فانه يتوقع ان ثمة احتمالا كبيرا في محاولة ارهابيين شن هجوم نووي او بيولوجي في الاعوام المقبلة، متخوفا من ان تؤدي سياسات اوباما إلى انجاح هذه المحاولة ما لم يتراجع عن نواياه المعلنة ويضع حدا للسياسات الحالية، وعليه سيضع البلاد في خطر اكبر مما يتصوره الاميركيون.
وقال ان الرئيس اوباما عمد بغير حكمة إلى تنفيذ وعود انتخابية غير مجدية، فضلا عن اطلاق ارهابيين مشتبه بهم ومنحهم الحماية القانونية التي تقدم عادة إلى متهمين بارتكاب جرائم تقليدية! ثم وصف تشيني معتقل غوانتانامو بانه برنامج من الدرجة الاولى ومن المرافق الضرورية التي تعمل انسجاما مع القانون، وتقدم للمعتقلين غذاء وعلاجا افضل مما هو متاح للسجناء الاميركيين! ووجه تشيني إلى ادارة اوباما سؤالا: هل فكرة الافراج عن هؤلاء الارهابيين ونقلهم إلى سجون اخرى تعتبر فكرة صائبة؟
يبدو ان الادارة الاميركية السابقة التي كان يرأسها جورج دبليو بوش ويسيطر عليها اعضاء «الحزب الجمهوري» هم الغالبية المعارضة للاداء الجديد للادارة الاميركية الحالية، بينما لو نرجع إلى الوراء قليلا لواقع ادارة بوش السياسي فانها اخذت تتخبط في قرارات رئاسية سابقة عدة واتخذت اجراءات كانت مثيرة للجدل على مستوى العالم كله! ولعل ما حصل لطاقم بوش من تراجع شعبي دليل على سوء التخطيط والادارة للازمات وللحروب، وقد شاهدنا ذلك من خلال الحدة في اللغة والحوار مع الدول التي تسميها «محور الشر».
نستطيع القول ان الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما استطاع ان يغير مفهوم السياسة الاميركية الجديدة ليضيف لها عهدا جديدا من الالتزام الاميركي في العالم من خلال التعهدات التي اخذها على عاتقه في عملية التغيير للخروج من الروتين السياسي السابق ولاعطاء صورة مشرقة للولايات المتحدة، وهذا بالطبع جدير بالسعي إلى احلال السلام خصوصا في الشرق الاوسط، لقد شدد اوباما في خطابه الاخير امام مجلسي الكونغرس بعد نحو شهر من توليه مهام الرئاسة رسميا على مكافحة الارهاب والتطرف والمضي قدما في تحقيق العدالة بشكل سريع بعد ان اصدر امرا باغلاق معتقل غوانتانامو، إذ انه من اولويات الملفات الساخنة في عهده، لذا توجه إلى انشاء لجنة جديدة لمعرفة الحقيقة في شأن التجاوزات التي يعتقد انها حدثت في عهد الرئيس بوش تحت اطار سياسات «الحرب على الارهاب»، وقال في خطابه: «ان الالتزام بالقيم لا تزيدنا ضعفا، بل تزيدنا امانا وقوة» ووسط تصفيق خطابي حار اكد اوباما من دون اي تحفظ او التباس «ان الولايات المتحدة لا تمارس التعذيب»... وفي هذا رسالة واضحة لهؤلاء الذين يعارضون السياسة الجديدة ويرفضون اغلاق معتقل غوانتانامو، ويتقدمهم ديك تشيني الذي اعتبر ان ما قامت به الادارة الحالية يعكس سذاجة التفكير في واشنطن، كما انه اشار إلى ان «الولايات المتحدة لا تحتاج لان تُحب، بل ان تُحترم» وهو بالتأكيد مجرد رأي ليس له اساس على ارض الواقع!
ومن خلال تصريحات نائب الرئيس السابق ديك تشيني الاستفزازية لادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما، والذي يدعي بانهم «متفائلون»... فما رأيه بترشيح الرئيس باراك حسين اوباما لنيله جائزة نوبل للسلام لعام 2009 الحالي؟


علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]