محمد العوضي / خواطر قلم / الصدفة... داروين... الدمرداش... السويدان

1 يناير 1970 06:45 ص
بمناسبة مرور 200 عام على رحيل عالم الطبيعة تشارلز داروين صاحب كتاب «أصل الانواع» ونظرية النشوء والارتقاء، عقدت ندوات وكتبت مقالات ودارت حوارات حول الرجل ونظرياته والاثار التي تولدت عنها على صعيد المفاهيم والسلوك والاجتماع الإنساني. وكان الحدث الأهم على هامش الذكرى الداروينية اعتراف الكنيسة البروتستانتية ومعها الكاثوليكية بالنظرية واعتبرتاها جزءاً من العقيدة المسيحية!! وقد تناولت حلقة الشريعة والحياة على قناة الجزيرة موقف الدين من النظرية بشكل عام وكانت مداخلة الدكتور هاني خليل رزق من اهم ما قيل في الحلقة لأنه متخصص وهو الحائز على جائزة الكويت للتقدم العلمي على كتابه الجاد «موجز تاريخ الكون من الانفجار الأعظم إلى الاستنساخ البشري» طبع دار الفكر بدمشق.
وفي يوم 23 فبراير وعلى هامش مؤتمر الدكتور طارق السويدان السنوي للابداع الاسري، ضمني جمع كريم بدعوة من عمر الحوطي بن عبدالوهاب الحوطي نائب الأمين العام للأمانة العامة للأوقاف سابقاً. وكان من الحاضرين الشيخ عايض القرني والدكتور صبري الدمرداش والدكتور طارق السويدان والدكتور مختار مغراوي استاذ الفيزياء في جامعة نيويورك وثلاثون من نخبة الشباب المهتمين بالعلم. كان الدكتور الدمرداش مسترسلاً في حديثه عن آليات نظرية التطور الخمس قبل دخول الضيوف الدكاترة وبعد السلام استرسل الدمرداش بشرح مبدأ الصدفة كإحدى آليات التطور الدارويني، وكأن بعض الحضور استراب من نسبة القول بالصدفة إلى «داروين» فطلب طارق السويدان الاستماع إلى رأي الدكتور مغراوي فلم يكثر الحديث سوى انه قال لم يمر معي في قراءاتي عن النظرية الداروينية من انها تقول بالصدفة او تعتمد عليها. وهنا نظر إليّ الدمرداش نظرة المستغرب، ولم يعلق، وكأن الحضور اطمأن إلى ما قاله الفيزيائي الجزائري ثم تحول الحديث لعايض القرني لينقلنا من عالم داروين وقردته إلى آفاق ادبية وثقافية اخرى.
وبعد ان ودعنا الضيوف المحتفى بهم (عايض والمغراوي وبصحبتهم السويدان) تحلق الشباب حول الدمرداش ليطلبوا رأيه فيما قيل ولماذا لم يعلق فقال للحديث العلمي اجواؤه ونحن في جلسة ضيوف ولا أحب ان استأثر بالحديث. ثم فند تفصيلاً ما جاء على ألسنة المتحدثين وأكد ان الصدفة احد أهم آليات نظرية التطور الداروينية ومن دونها لن يكتمل فهم النظرية.
أقول والحق كل الحق مع الدكتور صبري الدمرداش وهو ما قرأناه قديماً وحديثاً وما تؤكده الدراسات المؤيدة والمعارضة لأطروحة داروين، وعبارته الشهيرة «إن الطبيعة تخبط خبط عشواء» Nature works haphazardly وأحد أسباب تكفير الكنيسة له إقراره بأن الحياة وجدت على الأرض بالصدفة، وان تفسير الحياة وتطورها بارجاعها للارادة الالهية يكون بمثابة ادخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت! This would be to introduce a supernatural element in a completely mechanical position عن كتاب (مذاهب فكرية معاصرة) لقطب. وليس الكنيسة فقط هي التي فهمت مبدأ الصدفة في الداروينية، وانما جملة غير قليلة من الناقدين لها فالبروفيسور باول لوث سمى كتابه في الرد على النشوء والارتقاء الدارويني «الإنسان مخلوق لا مصادفة» بل تعدى الأمر من علماء الطبيعة إلى الفلاسفة فهذا هنري برجسون أحد مشاهير فلاسفة فرنسا المتوفى 1941 يؤلف كتاباً بعنوان «التطور الخلاق» يتخذ مذهباً تطورياً يتفق مع اتجاهاته الفلسفية لكنه على عكس التطوريين ينتقد فيه داروين وسبنسر ويرى ان الصدفة وهم ذاتي ويرد على القول بتكون الخلائق بطريقة المصادفة والانتخاب الطبيعي. ولعل كتاب «الجينوم البشري وأخلاقياته... جينوم النوع البشري وجينوم الفرد البشري» للدكتور هاني رزق من أهم المصنفات باللغة العربية التي تناولت الداروينية في سياق فيه الجدة والأصالة والجهد الملحوظ مع خدمة الطبع الراقي من الورق الصقيل والمصورات والخرائط الشارحة التي لا تكاد تخلو منها صفحة - نشر دار الفكر دمشق.
يقول في الفصل الخامس من كتابه: «فإن التطور الدارويني يقوم على الاسس التالية: 1 - نسخ الجينات (المعلومات) مرات عديدة، اي حدوث التوالد او التكاثر. 2 - اختلاف او تغير بعض الجينات (المعلومات)، أي حدوث الطفرة (التغاير). 3 - انتقاء بعض الجينات المتغايرة على حساب جينات اخرى، أي الانتقاء الطبيعي» ثم يعلق الدكتور هاني على ذلك بنقد الصدفة التي تنطوي عليها النظرية والفصل الثالث كله قائم على ان التطور كان موجهاً وليس عشوائياً. وفي الفصل الحادي عشر يلخص الفكرة فيقول: «التطور الدارويني الذي يفسر مسيرة الكائنات الحية على أساس الانتقاء الطبيعي natural selection بحدوث الطفرات على نحو عشوائي من الزمن، وتصادفي في المكان، وغير موجه على الاطلاق». ثم يعرض رأي الداروينيين الجدد وقولهم بالصدفة. ولقد هاتفت الدكتور هاني في دمشق لبعض الاستفسارات في كتابه القيم ولما سألته عن الصدفة قال ان الصدفة احدى ركائز النظرية الداروينية. اما صبري الدمرداش فيقول بكل بساطة الجماعة الداروينيين عملوا حاجة وحدة... شالوا كلمة «الله» ووضعوا مكانها «الصدفة»!!


محمد العوضي