خيرالله خيرالله / محاولة إصلاح ما لا يمكن إصلاحه بين الفلسطينيين
1 يناير 1970
03:47 م
يكشف اللقاء الذي استضافته القاهرة بين المنظمات الفلسطينية عن محاولة لـ «حماس» هدفها الهروب من واقع أليم تمثّل في الكارثة التي حلّت بغزة نتيجة العدوان الإسرائيلي على القطاع. لم يكن اللقاء الذي ضم، بين ما ضمّ، منظمات فلسطينية أكل الدهر عليها وشرب ومنظمات ليست سوى فرع صغير للاستخبارات السورية سوى محاولة لإصلاح ما لا يمكن إصلاحه. هناك بكل بساطة من يؤمن بأن في الإمكان التوصل إلى تسوية ما مع إسرائيل على أساس حل الدولتين. وهناك في المقابل من يعتقد أن في الإمكان، استناداً إلى موازين القوى القائمة ، وفي أساسها سورية وإيران، تحرير فلسطين من البحر إلى النهر أو من النهر إلى البحر لا فارق. هل في الإمكان المزج بين الزيت والماء؟
تبحث «حماس» عن غطاء للهزيمة التي لحقت بها، وهي حضرت لقاء المصالحة في القاهرة وسهّلت انعقاده، بعدما كانت تتهرب منه في الماضي. لم تجد مكاناً آخر تذهب إليه، فكان لقاء القاهرة. تلقت «حماس» ضربة كبيرة في غزة، خصوصاً في ضوء الخسائر التي لحقت بأهل القطاع وببنيته التحتية. ربما كان النجاح الوحيد الذي حققته هو ذلك المتمثل في تكليف بنيامين نتنياهو تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة ترفض حتى البحث في التوصل إلى تسوية ما تستند إلى مبدأ الدولتين على أرض فلسطين. هل وصول نتنياهو إلى السلطة هدف بحد ذاته لـ «حماس» أو للذين يسيرونها من دمشق وطهران؟ ما هذا الرهان على الوقت الذي يعمل لمصلحة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي الذي يركز على ضم أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية؟
تهرب «حماس» من الواقع لسبب في غاية البساطة هو غياب المشروع السياسي القابل للحياة. تنادي «حماس» بـ «المقاومة». ما هذه المقاومة التي لا تستفيد منها سوى إسرائيل والتي تعمق الشرخ داخل المجتمع الفلسطيني وبين الضفة والقطاع؟ ما هذه المقاومة التي تنتهي بانتصار لـ «حماس» على الشعب الفلسطيني، فيما استطاعت إسرائيل في عدوانها الأخير قتل ما يزيد على ألف وثلاثمئة فلسطيني بينهم أطفال ونساء ومدنيون فيما العالم يتفرّج؟ ألم تتنبه «حماس» إلى هذا الواقع الأليم وإلى أن الصواريخ التي تطلقها من غزة وتسميها «مقاومة» أفضل سلاح لإسرائيل كي تبرر عدوانها على القطاع من جهة وتتهرب من أي مفاوضات جدية من جهة أخرى؟
رغم أن لقاء القاهرة تأخّر كثيراً، إلا أن عقده يظل أفضل من لا شيء. يكفي أنه يمكن أن يمهد لتشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على مواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة وعلى الإشراف على إعادة بناء ما تهدم في غزة. مثل هذه الحكومة التي يعتبر شرط قيامها التزام الاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير والسلطة الوطنية في الماضي، من دون أن يعني ذلك اعترافاً صريحاً لـ«حماس» بإسرائيل، يمكن أن تكون المرجعية الصالحة لتسلم المساعدات والإشراف على عملية إعادة البناء التي يفترض أن تصب في خدمة كل من تضرر من العدوان بدلاً من أن تقتصر التعويضات على المرضي عنهم من «حماس»!
هناك فائدة لحكومة الوحدة الوطنية، في حال كان هناك أمل ما في قيامها. لكن هذه الفائدة ستظل محدودة جداً في غياب مصالحة حقيقية تفضي إلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس سليمة بعيداً عن المزايدات والشعارات الفارغة. من حق «حماس» دخول منظمة التحرير الفلسطينية، نظراً إلى أن المنظمة تظلّ، إلى إشعار آخر، المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني. لكن هل تمتلك «حماس» حرية قرارها وتقبل دخول منظمة التحرير بعد إعلان التزامها البرنامج السياسي للمنظمة؟ كيف تريد «حماس» دخول منظمة التحرير والبحث في إصلاحها في حال لم تلتزم البرنامج السياسي الذي مكن المنظمة من الحصول على اعتراف دولي يشمل عضوية شبه كاملة في الأمم المتحدة، وهو اعتراف لا تزال «حماس» في بحث دائم عنه؟ وحده الاعتراف بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير وانضواء المنظمات الفلسطينية كلها تحت سقفه سيوفّر للقاء القاهرة التصالحي جدوى ما. ما عدا ذلك كله رهان على الوقت تعتقد «حماس» أنه يصب في مصلحتها فيما هو في الحقيقة يصب في مصلحة إسرائيل التي لم تنسحب من غزة من جانب واحد في العام 2005 إلا من أجل إحكام قبضتها على الضفة الغربية. يحصل ذلك عن طريق «الجدار» العنصري الذي يستمر العمل على بنائه بهدف تقطيع أوصال الضفة ومنع قيام دولة فلسطينية «قابلة للحياة» أي ذات أراضٍ متصلة ببعضها البعض.
لا شك أن «فتح» في حال يرثى لها، خصوصاً في حال لم تتمكن من عقد مؤتمرها العام في منتصف أبريل المقبل. أما منظمة التحرير فقد ترهلت ولم يبقَ منا سوى برنامجها السياسي. نعم، إن إعادة بناء المنظمة ضرورة قصوى. لكن إعادة بناء المنظمة لا يمكن أن يحصل بموجب شروط «حماس»، أي بموجب مشروع سياسي غامض، اللهم إلا إذا كانت «حماس» تنوي العودة نصف قرن إلى الخلف وبدء مسيرة النضال الوطني الفلسطيني من حيث بدأت «فتح» في العام 1965 وفي الأعوام التي سبقت إطلاق الرصاصة الأولى.
ماذا تريد «حماس»؟ هل تريد دولة فلسطينية في حدود 1967 وشروط ذلك معروفة، لكنها صعبة المنال في ظل الموازين القائمة؟ هل تريد القضاء على إسرائيل وإزالتها من الوجود؟ هل تريد الاستيلاء على منظمة التحرير الفلسطينية؟ هل تريد استخدام غزة لتسهيل استيلاء الإخوان المسلمين على الحكم في مصر؟ هل تريد الانطلاق من غزة من أجل قلب الأوضاع في الضفة الغربية؟ لكل جواب على أي من الأسئلة المطروحة شروطه. المهم أن تحدد «حماس» ما الذي تريده وما هدفها كي يكون هناك مجال لحوار فلسطيني - فلسطيني وكي يمكن للحوار أن يستمر وألا يكون حواراً من أجل الحوار ليس إلاّ... في القاهرة أو في غير القاهرة!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن