pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

بوح صريح

حين صار الصمت جارك

فازت ماغي اوفاريل بجائزة المرأة للرواية. ورغم انتظار الجميع لها حتى تعلق أو تقول شيئاً. لكن لم يحدث شيء من هذا. لماذا؟ لأنّ ليس لها أي حسابات على مواقع التواصل!. فهي ترفض المشاركة بـ«جيوش الحمقى». كما يعبر الروائي الإيطالي البرتو ايكو.
ورغم أني أوافقه الرأي من حيث تسميته لجيوش الحمقى. التي تحارب من أجل إخفاء الحقيقة ونبش القذارة. وإن ناقشتهم يتم سحبك لكمية هراء ومضيعة للوقت. تندم بعدها أنك تكلمت أو كتبت أو شاركت. نعم نتفق معه.
لكنها الحياة العصرية التي لابد منها. فمن جهة انت مطالب بالمشاركة بقدر معقول لتقول (انا هنا... موجود) وحتى يجدك من يبحث عنك ويود التواصل معك. ثم حتى تؤثر بالعالم وتضيء قنديلاً لمن يجلس بالعتمة. فعبر مواقع التواصل، انت مؤثر وقد يفيد كلامك شخصاً كان بأمس الحاجة لكلمة أو إضاءة أو زهرة أو ابتسامة. فما بالك لو أتت من شاعر أو روائي أو فنان أو معلم... الضرورة مضاعفة على هؤلاء وكذلك المسؤولية.
لكن اختلفت وجهات النظر حين طرح الموضوع. فهناك من أيد فكرتي. وهناك من قال إنها على حق وعلى الكاتب الجاد هجر المواقع والتفرغ للكتابة. وهناك من طالب بالاعتدال. من خلال المشاركة المعقولة ونقل أخبار الكتب والنشاطات ثم الغياب فترة. وهناك من قال بالنشاط الكبير للفت الانتباه والتسويق والحصول على متابعين وعروض كتب وشهرة ولقاءات وغيره.
ورغم أنني أميل إلى الصمت والغياب ولا أحبذ التسويق لأنه يقلل من هيبة ومصداقية الكاتب، إلا أنني مع الاعتدال وعدم المغالاة.
فأنت تصمت أحياناً حتى تعرش في شفتيك الأحراش والحقول والغابات.
تتشابك الأغصان والجذور. فتتعلم متعة إغلاق فمك.
تنسى الكلام. ترتاح للصمت وتتعمق فيه حتى تكاد تسمع صوته الخاص وغناءه وحتى همسه وبكاءه. الصمت تقي بريء. يعيد إليك طفولتك. بكل تفاصيلها المحببة.
يصبح الصمت صديقك ونديمك وجارك الذي تستعير منه كوب سكر أو قهوة.
تصمت... حتى يصبح الكلام بلا معنى. مجرد تخبط وهراء. يساء تحليله وثنيه ومطه وفهمه بطرق مختلفة لما أردت وقصدت... لذا تهجر الكلام.
تترك فعلك يتحدث عنك... وتختار الصمت لأنه كل اللغات والمعاني والأصوات مجتمعة.
الصمت عمق وحكمة وحنكة وثقل وحذر، وتحفيز لمهارة الإنصات التي يجهلها الكثيرون.