قيم ومبادئ

الإستراتيجيات في مهب الريح!

كثُر في الآونة الأخيرة إطلاق الألقاب، مثل متخصص في شؤون الجماعات المُتَطرفة! أو خبير في شؤون الشرق الأوسط! أو ناشط سياسي ومحلل اقتصادي! إلى ما هنالك من مصطلحات تتناقلها القنوات الحوارية. فأصبح كل واحد يُشرّق ويُغرّب في تحليله وإسقاطه على الواقع ثم يخلص إلى نتائج يختم بها حديثه فيزداد المشاهد حيرة إلى حيرته؟ فضلاً عن طريقة إدارة الحوار، من المُحاور الذي يطلب من الناشط السياسي أو الخبير سؤالاً محدداً وهو: (كيف تحل مشكلة الشرق الأوسط؟) ثم يقول: باقي معنا من الوقت دقيقة ونصف؟ ولكم أن تتصوروا الجواب؟
ويحق لنا أن نتساءل مَن هم هؤلاء الذين يتولّون زمام التحليلات، ويقدمهم الإعلام العالمي بوصفهم خبراء!
إذا رجعنا بالذاكرة - وتحديداً بعد أُفُول نجم الاتحاد السوفياتي - نجد أوروبا وأميركا خصصت جانباً كبيراً من الدراسات في دوائر صنع القرار، من أجل توجيهها للدراسات الروسية، على اعتبار أنّها العدو الأكبر (الشيطان الأكبر) للإمبريالية الأميركية بعد الحروب العالمية، وكانت هذه المراكز تضم نُخبة من الجامعات، حيث زُوِّدت بكوادر سياسية ومخابراتية واقتصادية وثلة من شذاذ الآفاق من الآسيويين والعرب للعمل في هذا المجال، وكان التركيز الأكبر بعد سقوط الاتحاد السوفياتي على الإسلام السياسي، ودراسات الشرق الأوسط وكيفية إدارته، وإحداث الفوضى فيه، وصولاً إلى ترتيبه بوضعية الدول الفاشلة غير القادرة على ضبط مسارها الداخلي والإقليمي.
ولقد برز مُؤخراً معهد بروكنجز، وكان إنشاؤه على يد يهودي اسمه حيام سابان، ويرأس إدارته عرّاب الاتفاق بين اليهود والعرب مارتن أندك خلال فترة كلينتون، حيث كان سفيراً لإسرائيل منذ 1997م إلى سنة 2000م ، وتركزت دراسات الكوادر الفنية في هذا المعهد حول العراق وإيران والخليج والشؤون العسكرية في العالم العربي والنظام السوري واللبناني أخيراً.
أما خبراء معهد كارنغي فتركزت دراساتهم حول دعم السلام العالمي، وأوجه التعاون بين أعضاء المجتمع الدولي مع رصد عملية التطور السياسي في العالم العربي بشكل أكبر!
ويُعتبر معهد (أميركان انتربرايز) أحد مراكز القوة لصقور أميركا، بل إنّ دراساته الشاملة رسخت الموقف الأميركي في استخدام القوة في العراق منذ 2003م، حتى تورطت فيها.
والمظلة الكبرى التي يعمل تحتها أكثر معاهد الدراسات في أميركا (مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية)، وقد رصدت إحدى الدراسات الإعلام العربي وطبيعة دور الفضائيات في التأثير على فئة الشباب!
كما برز معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى منذ 1985م، وسبقه مجلس العلاقات الخارجية الذي تأسس عام1921 م بعد الحرب العالمية الأولى، الذي أخذ على عاتقه رسم خارطة طريق لكيفية التعامل مع شعوب العالم وإدارتها.
هذه الجهود المضنية الدؤوبة وهذه الدراسات المتنوعة إنّما جاءت من أجل السيطرة على العالم، إلا أنّها تحولت إلى رُكام وشهدت حالة من التراجع الملحوظ على المستوى الدولي، وذلك لتأرجح الإدارة الأميركية بين مصالحها وقيمها، فضلاً عن ضعف مستوى الكوادر القائمة على هذه الدراسات، فلجأت أخيراً إلى استخدام القوة الذكية التي تجمع بين القوة الناعمة والصلبة في إيقاف هذا التدهور، في سيطرة أميركا مع غياب الرؤية الإستراتيجية لكيفية مواجهة هذه التحديات، سواء الداخلية مثل العنصرية وكورونا والخارجية مثل إحلال السلام.
والقوة الذكية تجمع بين الدعم العسكري والاقتصادي الأميركي، وبين استثمار المكانة الأميركية وجاذبيتها للتأثير على قادة دول العالم !! فأصبحت في مهب الريح.
الخُلاصة:
هذه الجولة السريعة لتاريخ الدراسات الإستراتيجية الأميركية يقابلها - للأسف - تسطيح فكري من قِبل الإسلام السياسي، الذي يفضل قيادة الجماهير لمواجهة هذه الإستراتيجيات، بفلاشات وتغريدات أو ردود أفعال وحماس و شعارات جوفاء، وتلويح بقبضات اليد مع أن قافلة المصالح ما زالت تسير؟