بسبب الخلل الإداري في «تحقيقات الداخلية» و«الإعلان الجزائي» في «العدل»

بيروقراطية الأحكام القضائية الغيابية... تزجّ الناس في السجون

u0639u0644u064a u0627u0644u0639u0631u064au0627u0646
علي العريان
  • إدارة الإعلان الجزائي  لا تقوم بدورها  على النحو المطلوب 
  • الغالبية العظمى  من الأحكام الجزائية الغيابية تصدر بإدانة المتهم بعقوبة مشددة 
  • دورة مستندية طويلة  من 8 أشهر إلى سنوات  مكاتب المحاماة أصبحت تواجه مشكلات جسيمة في الاستعلام عن القضايا 
  • هناك استهانة بحريات الأفراد وحقوق الإنسان وضمانات المتهم واستسهال حبس الأشخاص

يتوقف عند نقطة تفتيش وهو هادئ البال مطمئن النفس، فيفاجأ بالشرطي يطلب منه بأن يترجل ويصعد الدورية، لأنه مجرم هارب مطلوب للعدالة ومحكوم بعقوبة الحبس بحكم قضائي غيابي، لا يعلم عنه شيئاً... هذا المشهد يتكرر في الكويت مع العديدين، ممن تصدر عليهم أحكام غيابية فلا يعلمون عنها حتى يفاجؤوا بالقبض عليهم من قبل رجال المباحث، أو عند توقفهم في نقاط التفتيش، أو إن كانوا محظوظين حينما يذهبون لإنجاز معاملة حكومية فيكتشفون بأن المعاملة لا يمكن إنجازها لوجود «بلوك» من إدارة تنفيذ الأحكام، بسبب صدور حكم قضائي غيابي.
تتكرر هذه المشكلة في الجنح التي تحقق فيها وزارة الداخلية، وتعود جذورها إلى خلل بيروقراطي في الإدارة العامة للتحقيقات في تلك الوزارة، وخلل آخر في إدارة الإعلان الجزائي بوزارة العدل.
دعونا نبدأ مع الإدارة العامة للتحقيقات، فهذه الإدارة هي المسؤولة عن التحقيق في جرائم الجنح، وبعد الانتهاء من التحقيق مع المتهم، يسير ملف القضية في دورة مستندية تتراوح من ثمانية أشهر في أفضل الحالات إلى سنوات عديدة في حالات أخرى، وطوال هذه المدة يتوجب على المتهم – أو محاميه – أن يراجع تلك الإدارة باستمرار للاستعلام عن حركة ملف القضية، لكي يعرف إن كان الملف قد أرسل إلى المحكمة أم أنه مازال يقبع على أرفف وزارة الداخلية، الأسوأ في الأمر أن المتهم قد يكون قد صدر بحقه أمر بمنع سفره، وسيظل هذا الأمر قائماً إلى حين تحويل الملف إلى المحكمة، فنادراً ما تقبل الإدارة التظلمات من أوامر منع السفر، وهكذا فإن المتهم سيظل ممنوعا من السفر لفترة تطول لسنوات في معظم الأحيان، والأدهى والأمر من ذلك أن الملف في نهاية المطاف يحال بين عشية وضحاها إلى المحكمة وتحدد جلسة لنظر القضية، وهنا يبدأ الخلل البيروقراطي الآخر، حيث إن إدارة الإعلان الجزائي لا تقوم بدورها على النحو المطلوب، ففي حالات قليلة فقط يبلغ بها المتهم بتحديد جلسة لنظر قضيته، وفي معظم الحالات لا يتم إعلانه بتلك الجلسة، مما يحال معه الملف إلى المحكمة وينظره القاضي في غياب المتهم.
ورغم أن المحكمة هي المحامي الأول عن المتهم، إلا أنه ومن واقع خبرتي العملية وجدت أن الغالبية العظمى من الأحكام الجزائية الغيابية تصدر بإدانة المتهم بعقوبة مشددة، ولا أعلم سبب ذلك،ولم أجد له سنداً في القانون، والقول المتداول بين الزملاء هو أن عدم حضور المتهم للمحكمة هو إقرار منه وتسليم بالتهمة، وهذا قول لا يستقيم، إذ إن عدم حضور المتهمين للمحكمة غالبا – بل دائما – يعود إلى الخلل البيروقراطي سالف الذكر في الإدارة العامة للتحقيقات بوزارة الداخلية وإدارة الإعلان الجزائي في وزارة العدل.
ولو قارنا ما بين الإدارة العامة للتحقيقات بوزارة الداخلية كجهة تحقق في الجنح، والنيابة العامة كجهة تحقق في الجنايات، فإننا لا نواجه مثل تلك المشكلة مع النيابة العامة، حيث إن القضية بمجرد أن تسجل في النظام الآلي للنيابة العامة تعطى رقما آليا يمكن للمتهم – ولمحاميه – الاستعلام من خلال ذلك الرقم على موقع وزارة العدل «بوابة العدل» في أي وقت شاء، فحتى لو لم يقم قسم الإعلان بدوره المنوط به، فإنه بإمكان المتهم أن يعلم بتحديد جلسة من خلال الاستعلام المستمر على الموقع الإلكتروني المذكور، علاوة على ذلك فإن النيابة العامة سريعة جداً في تحويل ملف القضية إلى المحكمة، فما ان تستنفد التحقيق في القضية فإنها تحيلها في غضون أسابيع وأحيانا شهر – وهي فترة قصيرة جدا – إلى المحكمة، وهذا هو الصحيح والمطلوب وهذه هي العدالة الناجزة، أما الإدارة العامة للتحقيقات فإنها بخلاف ذلك.
أضف إلى ما سبق، أن مكاتب المحاماة – أصبحت تواجه مشكلات جسيمة بسبب هذا الخلل الإداري، فالإدارة العامة للتحقيقات لا تسمح بالاستعلام إلا عن خمس قضايا كحد أقصى في اليوم الواحد، ولا يمكن للمتهم – ولا محاميه – الاستعلام عن القضايا من خلال أي موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت، وبالتالي أصبحت بعض مكاتب المحاماة الكبرى تخصص موظفاً – وتتكبد سداد راتب شهري له – لتكون مهمته الوحيدة هي مراجعة تلك الإدارة للاستعلام عن الجنح، وهو الأمر الذي لا يمكن لمكاتب المحاماة الصغيرة والمحامين المبتدئين أن يفعلوه، ومع ذلك فإن سائر مكاتب المحاماة تقع في إحراج شديد مع موكليها الذين تصدر في حقهم أحكام غيابية بالحبس، لأن ملف الجنحة يبقى عالقا في وزارة الداخلية، ثم يحول بعد سنوات – وفجأة – إلى المحكمة لتحدد له جلسة على وجه السرعة ويحكم فيها دون أن يعلم بذلك المتهم ولا محاميه.
إن هذه المعضلة الجسيمة، أدت إلى حبس العديد من الأشخاص، مما يضطرهم إلى الطعن على تلك الأحكام الغيابية بالمعارضة، والبقاء في غالب الأحيان محبوسين في السجن إلى حين تحديد جلسة لنظر الطعن بالمعارضة، وكل ذلك بسبب خلل إداري – إن دل على شيء فإنه يدل على الاستهانة بحريات الأفراد وحقوق الإنسان وضمانات المتهم، واستسهال حبس الأشخاص والزج بهم في السجون.

إجراءات إزالة الخلل الإداري

إن إصلاح ذلك الخلل بسيط وسهل، ويكمن في النقاط التالية:
- أولا: أن تقوم الإدارة العامة للتحقيقات بعمل نظام آلي كما هو معمول به في النيابة العامة، وتمنح كل قضية رقما آليا فور تسجيلها يمكن من خلاله الاستعلام عن سير ملف القضية ودورته المستندية دون حاجة إلى مراجعة الإدارة.
- ثانيا: تسريع الدورة المستندية لملفات قضايا الجنح في الإدارة العامة للتحقيقات، وتحويل الملف إلى المحكمة فور الانتهاء من التصرف في القضايا.
ثالثا: أن تفعل الإدارة دورها في نظر التظلمات من أوامر منع السفر، وأن تراعي مبررات منع السفر بتشدد أكبر خصوصا في حال تأخر تحويل ملف الدعوى إلى المحكمة.
رابعا: أن تفعل إدارة الإعلان الجزائي دورها، وأن تستوثق من إعلان المتهم استيثاقا تاما كما هو معمول به في الدعاوى المدنية.
خامسا: تفعيل وسائل الإعلان الإلكترونية والاستفادة من التعديلات الأخيرة على قواعد الإعلان، وتبليغ المتهم ومحاميه بموعد الجلسة من خلال رسالة هاتفية، علاوة على الإعلان التقليدي.
سادسا: تستوثق المحكمة الجزائية من إتمام الإعلان على الوجه الصحيح قانوناً، وأن تتشدد في ذلك ( كما هو الحال في الدعاوى المدنية ).
سابعا: تتحرى المحكمة أوجه تبرئة المتهم، وأن تحكم ببراءته، إن كان مستحقا لذلك، حتى في حال عدم حضوره ومثوله بنفسه أو من خلال من ينوب عنه من المحامين، تفعيلا لمقولة أن المحكمة هي المحامي الأول عن المتهم.
ثامنا: تحدد جلسات قريبة لنظر الطعون بالمعارضة، وأن ينظر في طلبات وقف تنفيذ الحكم قبل موعد الجلسة في حال كان موعدها بعيدا.
تاسعا: الاشتراك في خدمة الرسائل الهاتفية في وزارة العدل لكي يتسلم رسالة في حالة تحديد جلسة له، ويمكن المحامون من الاشتراك بالخدمة نيابة عن موكليهم.

ثقة تامة في إدارات الدولة

إننا على ثقة تامة بأن في إدارات الدولة كافة من هم حريصون كل الحرص على صيانة حقوق الناس وصون كراماتهم، إلا أن بعض المشكلات هي خلل ناتج عن النظام الإداري والربط الالكتروني بشكل متداخل، ولا يكون المسؤول عنه شخص معين أو جهة واحدة، ورغم أن الحل بسيط إلا أن التأخر في تطبيقه يؤدي إلى معاناة مستمرة وظلم فادح للكثيرين.