خواطر صعلوك

شغلتك إيه على المدفع يا إسماعيل؟

كان الفايكنغ أبطال ملاحم، يقضون أياماً وليالي على متن قوارب مفتوحة في بحر الشمال البارد، ورغم أنهم كانوا بارعين وقساة في الحروب على اليابسة، لدرجة أن الواحد منهم يستمتع بركل الرؤس المقطوعة، إلا أن سفنهم كانت سيئة الصنع ومليئة بالثغرات، والفجوات بين الصفائح الخشبية، والتي يتم سدها عادة بالطحالب وشعر الحيوانات والقطران، ولكن ذلك لم يمنع من بقاء سفنهم عرضة للغرق، ولأنهم كانوا لا يملكون مهارات «القلاف» الكويتي في صنع السفن، فقد كانت هناك وظيفة عند الفايكنغ في كل سفينة وهي ذلك الرجل الذي يقوم باستمرار وطوال الليل والنهار وتحت كل الظروف، بنضح الماء الناتج عن التسريب والثغرات بين الخشب وإخراجه خارج السفينة لكي لا تغرق، وكانت هذه المهنة الصعبة تجعل أصابع صاحبها تصاب بالخدر والتجمد، وتجعل ظهره يصاب بالتشنج، واليأس أحياناً عندما ينام كل من على السفينة وهو فقط عليه أن يحلُم وهو مفتوح العينين!
إن أساطير وملاحم الفايكنغ لا تذكر في أشعارها أسماء الرجال الذين كانوا ينضحون الماء لكي تصل السفن بسلام على اليابسة، بل فقط تذكر المحارب والبطل والمجد والشجاعة الفردية العسكرية، والقادر على أن يلفت الانتباه في المعركة.
لم يحدث هذا الأمر مع الفايكنج فقط، بل هو سمة حضارية عامة تحدث عبر التاريخ كله.
في الكويت يعيش بيننا أناس يقومون بوظيفة تشبه ذلك الذي ينضح الماء لكي لا يغرق البلد بسبب الثغرات والتسريبات والفجوات، في كل وقت وتحت كل الظروف، كانوا موجودين قبل كورنا وأثناءها وبعدها... إنهم الذين يحملون البلد على أكتافهم من دون أن يشعر بهم أحد، لا التاريخ ولا الشعر ولا الإعلام ولا الجوائز.
منهم مواطنون، ومنهم وافدون، ومنهم بدون، ومنهم متطوعون ومنهم دعاة لله من دون أجندات دولية، ومنهم أطباء من دون حسابات في تويتر وطوال سبعة أشهر لم يذكروا قط أنهم في الصفوف الأمامية، ومنهم رجال في الداخلية عاشوا مع الناس في الشارع بلطف وحسن تناول... يعملون بصمت حتى تغرق جباههم من الحر، ولا شيء يُوجعهم، لا برد اليدين ولا ريح الصيف، يطفئون نار الفتن بدعائهم الصادق، ويرفعون العلم في بيوتهم من دون تباهي، ويقفون على الرصيف لاستقبال المواكب دون رغبة في الوصول معها، لديهم سردياتهم الخاصة للتاريخ الشخصي، في الغزو والأحداث الكُبرى في البلد، لا يلتقطهم الإعلام، وليست لديهم مهارات إبراز أعمالهم... ولكن تسمعهم الملائكة ويكتبون لهم ما يفعلون.
لن يذكركم التاريخ يا سادة، ولن يكتب لكم أحد الشعر، ولن تصلوا إلى اليابسة أو الأهداف الشخصية، لأن السفينة في حاجتكم دائماً... مفتوحي العينين حتى أثناء أحلامكم... وعملكم غير مقطوع.
إذا قابلت أحدهم مصادفة وسألته بالنيابة عن الجميع، إلى متى تستمرون في عطائكم وما هي وجهتكم؟
سيقول لك:
- إننا لسنا ذاهبين كي نصل إلى أي مكان، إننا نذهب فقط من أجل الذهاب... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر.

قصة قصيرة:
- شغلتك إيه على مدفع السفينة يا إسماعيل؟
- شغلتي على المدفع بررررروم يا افندم.
- برافوا يا إسماعيل... هتبقى القبطان خلال وقت قريب!
Moh1alatwan@