قيم ومبادئ

آثار الشُّح السياسي (2 من 2)

سادت في فترة الستينات فكرة الوحدة العربية وبات القوميون العرب يؤمنون بوحدة قريبة من مشروع (الاتحاد الأوروبي)، أي الانصهار في كتلة ذات سياسة خارجية موحدة، ولها ثقل اقتصادي بعملة موحدة وبأنَّ دولة عربية واحدة ستقوم بجمع شتات العرب ضمن حدودها من المحيط إلى الخليج!
ولكن تكسّرت هذه الأحلام على صخور الواقع الأليم في التبعية للشرق والغرب، رغم الركام الفكري والمنهجي في تربية الشعوب على القومية العربية، وتغنّى الصبيان بالأشعار وتغذى المثقفون والنخب من موائد ميخائيل نعيمة وجبران خليل وإيليا أبوماضي وإلياس أبوشبكة، بل أصبحتِ المُفاخرة بأنّ أبناء وبنات الوطن العربي جميعاً يعملون ضد المحتل وضد القوى الرجعية، والرجعية في عقولهم هي الإسلام!
حتى مُسختِ الأمة أو كادت عن الدين، إبّان المد القومي والناصري، فالجغرافية عربية والثروة عربية والسكان، فهم سكان الوطن العربي فحسب!
وتلاشى عندنا هذا المفهوم الحضاري الإنساني بقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
والمُلاحظ اليوم اندثار الآثار عند الأوروبيين، وانحسار تزاحم الناس على أبواب المتاحف، بسبب انصراف همم الناس لأعمالهم وملاحقة التطور السريع في تقنية المعلومات، إلا أننا نجد في الوقت نفسه توالي حركات وبعثات الاستكشاف في وطننا العربي والإسلامي القادمة من أوروبا للبحث عن حضارة الآشوريين والسومريين والفينيقيين والفراعنة! وتركنا دعوة الإسلام الحقيقية التي لا تُفرّق بين إنسان وآخر، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ).
ولكن حتى في الإسلام وجدنا امتداداً لما يفرقنا عن الإسلام الذي يجمعنا، فبدأنا نسمع ونرى في القنوات الفضائية عن آثار نيران الأخدود، وآثار عاد وثمود، وإذا بيوت قديمة طمرها الطين والرياح اعتبرناها كشفاً حضارياً نعلم به أنّ لنا ماضياً تليداً!
في الحقيقة أننا دخلنا فيما دخل فيه غيرنا في الأفكار التي رفضتها ولفظتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، هذه العنصرية البغيضة التي ازدراها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ووضعها تحت قدمه فقال: (إنّ الله أذهب عنكم عبيّة الجاهلية).
ولكننا أحييناها اليوم وفرقنا الناس وحَزَّبْناهم على غير التقوى، وبعد انقضاء فجر الإسلام وانقسام دولة الإسلام جاءها الصليبيون ولقّنوا المسلمين درساً بليغاً في الذل والمهانة باحتلال الأندلس، ثم استدار الزمان فحكم المماليك وهؤلاء ليسوا عرباً، والسلاجقة كذلك، والتركمان والترك الذين حملوا راية الإسلام وفتحوا بها أوروبا الشرقية، ولكنّها اليوم للأسف عادت بصورة أو بأخرى إلى القومية الطورانية!
وها هي الأحداث تتلاحق في سلسلة متصلة، فوجدنا لبنان الذي رفع راية القومية يتمزق إلى طوائف وأحزاب، والعراق ودمشق على نفس الخُطى.
وما زالت وفود رؤساء أوروبا وبعثات الأمم المتحدة تتواصل إلى لبنان لتمزيقه من جديد!
هذه المِحن جعلت المسلمين يفكرون بل ويشعرون بأننا أمة واحدة سواءً في الفيلبين أو بلاد الأفغان أو البوسنة أو ميانمار، أو بلاد الشام.
فلا توجد أمة من الأمم سطّر لها التاريخ هذا المجد من العزة والكرامة والإنسانية مثلما هو لأمة الإسلام، لأنّه يسمو فوق القوميات والعنصريات والعصبيات، ولا يفخرون بالحجارة والطين، فلا وزن للأهرامات والله تعالى يقول عن من بناها: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، ولا وزن لحدائق بابل إذا كانت قائمة على الشرك بالله والسحر والشعوذة ولا لمدائن صالح، ولا بناء إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد، ولا سدّ مأرب إذا كانت هذه الحضارات وثنية لا تؤمن بالله إلا وهم مشركون.

الخُلاصة:
قال تعالى { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }
هذا هو البناء الحضاري والإرث النبوي الذي يجمعنا بل ويجمع العالَمَيْن الإنس والجن فهو قبلتنا أحياءً و أمواتاً ، ونعتز ونتحد في عبوديتنا لله وحده ،
وماعدا ذلك فكلّها نعرات جاهلية جاء الإسلام للقضاء عليها .