pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

بوح صريح

لماذا الجسد؟!

الجسد مركز الكون... منه تبدأ الحياة وبه تنتهي دورته، ويبقى ما قدمه من إنجازات وتغيير. يفنى لكن يبقى منه أثر الفعل والقول والنشر والإبداع. إذاً يفنى الجسد مادياً لكن يبقى كمعنى ولغة تتقولب، بشتى الصور فن وأدب صورة، وكفعل وقول يشكل صورة أخلاقية، خير وطيبة وتسامح وكرم وتواضع؛ ذكرى خيرة.
لولا ارتباط الجسد بالعيب والشرف والعار والعري والخزي والخوف والاحتقار والنجاسة... لاستطعنا تقبل أنه مركز الكون.
فهو الهاجس الذي تبدأ وتنتهي به.
كيف تبدو من جهة وكيف يبدو الآخر من جهة أخرى؟
هل تخرج من بيتك من دون النظر في المرآة والتأكد من تناسب مظهرك، مع كل التفاصيل في مكانها المضبوط؟
وإن مر زمن، تحتاج إعادة النظر ليس للتأكد من مظهرك فحسب. بل للتأكد من أنك «انت» لم تزل هنا!
المرض، خصام مع الجسد. أو عقاب الجسد لك.
العلاج النفسي، محاولة للتصالح مع الجسد.
العلاج العقلي، جسدك يحاول التفوق عليك.
العزلة، محاولة الجلوس مع جسدك على طاولة الحوار.
الحب. الكراهية. الجوع. الشراهة... أصناف تواصل تنقص أو تزيد مع الجسد.
كل فكرة نفكر بها، تمر عبر مرايا الجسد.
يقول بؤثيوس في «عزاء الفلسفة»: ماذا أقول عن لذة الجسد؟
إن السعي إليها محفوف بالهم، والشبع منها مملوء بالندم، كم أورثت أجساد المتهالكين عليها من أسقام وتباريح، وكأنها ضرب من عقاب الإثم.
أي سعادة في الشهوات إذا كان الأسى هو نهاية اللذة؟
يعرف ذلك كل من يتجشم استعادة ذكرى انغماساته، وربما يكون مرد الكآبة التي تعانيها كل الكائنات عِقب قضاء الوطر هو إحساس الكائن بأنه خُدع، بأنه بُخس، بأنه استُدرج، كأن الطبيعة كانت تقضي به مأربها لا مأربه.
المكيدة الكامنة في صلب الحياة، هي أن لذة الإشباع تأتي دائماً أقل بكثير مما وعدنا به الجوع... !
لكن الفلسفة عامة تتجه للمثالية وللطهرانية. بينما إشباع الجسد. عادي وجزء ضروري من روتين الحياة الطبيعية التي لابد منها للاستقرار النفسي والتطور الذاتي. يؤدي حرمانه أو زيادته والإسراف به لأمراض نفسية أو عقلية، لذا اقتضى التوازن. وهذا الاشباع المتزن يقود إلى صفاء الذهن الذي بدوره ينتج الإبداع ويثمر أدباً وفناً.
الجسد موضوع مهم حيوي. مطلوب تناوله وكشف الستار وإزالة الغموض والحرج عنه. لأنه مركز الوجود. لاشك عدم اقتحام المرأة العربية الباحثة والأكاديمية لعالم الفلسفة ساهم في جعل موضوع الجسد مهمشاً. واشتغال الرجل عليه أخذه إلى التطرف. إما للشهوانية المحرمة واعتبارها عيباً وعاراً. وإما للطهرانية والمثالية المجردة.
المرأة الاقرب إلى الجسد والأكثر التصاقاً بالمعنى والمعاناة وكل ما يجلبه موضوع الجسد من عار وشرف في صميم وجودها، شخصياً واجتماعياً. لكنها أيضا عقلانية وقادرة على تناوله بذكاء ومهارة.