قيم ومبادئ

اتقوا الشُّح السياسي (1 من 2)

جُبلت النفوس على الشُّح وهو عدم الرغبة في بذلٍ ما على الإنسان والحرص على المكانة والمنصب الذي له، والنفوس البشرية مجبولة على ذلك طبعاً غريزيّاً، ومع ذلك جاء الأمر الإلهي بالحرص على قلع هذا الوصف الدنيء من سخائم النفوس واستبداله بضده وهو السماحة ومعناها بالعامية (تقصّ الحق من نفسك) والرضى ببعض الحق الذي لك، ومتى وُفِّقَ الإنسان لهذا الخُلق الحسن، سهل عليه بعد ذلك التعامل مع الناس بل ومع الخصوم، وتسهلت الطرق للوصول إلى المطلوب والاتفاق وتحقيق الوحدة المجتمعية، وهذا بخلاف مَن لم يجتهد في إزالة الشُّح من نفسه، فإنّه يعسر عليه العمل والاتفاق لأّنه لا يرضيه إلا الصدارة، ولا يرضى بالتنازل وإذا كان خصمه مثله تأزمت الأمور وتبعثرت الجهود.
وهذا هو الظلم الذي أهلك الأمم السابقة، فقد حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم، وهذا هو عين ما هو حاصل اليوم بين الأحزاب في بعض البلاد العربية، ذلك أنّ كلَّ حزب بما لديهم فرحون، ويحرصون على ما ليس لهم من المال أو المناصب، وهذا هو سبب القتال، ولو بذل كلُّ حزب ما لديه من مال في مواساة إخوانه في مجتمعه لحصل بينهم التحابّ والتواصل، ولكن حصل في إمساك المال الشُّح والتهاجر والتقاطع والتقاتل، في مقابل خُلُق الإيثار المعدوم سياسياً، وهو الإيثار بمحاب النفس من المال والجاه والمنصب، وبذلها مع الحاجة إليها، بل أحياناً مع الضرورة والخصاصة!
وهذا لا يكون إلا مع نفوس أبية، ومُحِبَّة لله مُقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها والإيثار عكس الأثَرة، وهي من الخصال المذمومة قبل الشُّح والبخل، ومَن رزقه الله الإيثار والسماحة وُقيَ شُح نفسه، ومَن يوقَ شُح نفسه فأولئكَ هم المفلحون، فإذا وقي شُح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله، ففعلها طائعاً مُنقاداً مُنشرحاً بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه وإن كان محبوباَ للنفس.
قال بعض العارفين: وأما الشح فهو خلقٌ ذميم يتولد من سوء الظن وضعف النفس ويمده وعد الشيطان، حتى يصير هلعاً والهلع شدة الحرص على الشيء والشره به، فتولد عنه المنع لبذله والجزع لفقده وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (شرُّ ما في المرء شُح هالع وجُبنٌ خالع).
وللوقاية من الشُّح أسباب أولها وأولاها هو دعاء الله تعالى أن يقيك شُح نفسك، ثمّ ترك الظلم مع استغراق النفس والجوارح في العبادات كلّها، وبهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (إياكم والظلم فإنّ الظلم ظُلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإنّ الشُّح أهلك مَن كان قبلكم فحملهم أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم).
والأحزاب والفِرق والجماعات من اليهود أول مَن سنّ شرعة القتل والإخراج من الديار، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ).
ونحن للأسف في عالمنا العربي والإسلامي نسير على خُطى اليهود في التفرق والتقاتل، وتصدع الكلمة وكثرة الآراء وتعدد الأحزاب حتى صار عدد الأحزاب عندنا يفوق ماعند اليهود والنصارى!
كما أخبرنا بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة».

الخُلاصة:
الحقيقة الغائبة ولكنها شاهدة قال صلى الله عليه وسلم: «لتتبعنَّ سَنَن من كان قبلكم حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ خَرب لدخلتموه».
فهل يعي ذلك السياسيون!