pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

بوح صريح

روضت نفسي

أسست الهجرة لصراع مختلف مع ذاتي. وأنشأت لديّ لغة جديدة. تحاكي التحديات المتغيرة والتفاصيل الدقيقة لمجريات الواقع. مع كل تجربة: كتابة. نشر. رسم. تصوير... كل منها حقل رمال متحرك. تارة أنجو منه وتارة ينجو مني. أزهرت حكمة والدي في عقلي. ونقاء بصيرته في روحي. لذا روضت نفسي.
ولأنني لست حديثة العهد بالسفر والاستقرار طويلاً - قصيراً هنا وهناك. رسمت أهدافاً موزعة على مدار العام وخارج مدن عشقتها وأحبتني. فأبدعت كتابة أو رسماً أو فوتوغرافيا فيها: برمنغهام في بريطانيا، مصر، نابل في تونس، جبل لبنان... ارتبطت كل مدينة وأخرى بتحقيق هدف ما. إذ لا يمكن المشي عارياً ببساطة، لا بد أن يكون لديك هدف. الهدف هو الذي يسترك من الجهالة والحماقة والتيه. الهدف هو ما يعطي حياتك معنى؛ أن تتعامل مع نفسك «كمشروع» وجودي كما قال سارتر. لكن إبداعي في كل الأحوال.
هناك من لا يبدأ الكتابة حتى يتخيل آخر سطر في كتابه. وهناك من لا يشتري ورداً حتى يتخيل في أي آنية وزاوية وبيت ويد ستكون الباقة. هناك من يتخيل لون وعمق وإحساس وطعم الماء قبل السباحة. ومن يريد رؤية الجبل قبل تسلقه، وتخيل اللوحة قبل رسمها. هكذا الحياة. الهدف يجعل منها إمكاناً متحققاً. يجعلك ممتناً للعيش.

الغربة
أن تلمس وجهك وتشعر أن وجهك هو جسدك الآخر. ويدك عين وفم معاً.
أن تضرب على صدرك وأنت تنادي بيت أبيك الذي كبرت فيه. والشجرة التي كانت تحرسه.
فروحي لا تزال تسكن بيتنا في كيفان. شارع عمر المختار بكل التفاصيل الصغيرة. الدرج الطويل الملتف. الشرفات الزجاجية. أبي في الحوش يعدل ويصلح أو يرش الزرع. صخب إخوتي وماما تشغل أغنية «البوني أم» في الداتسون الخضراء. غرفنا. أصواتنا وأشياؤنا. البيوت لا تفارقنا. تتبعنا أينما ذهبنا وكبرنا.
أن تنصت لأنفاسك وهي تحادثك. وعينك تناديك. ولصمتك وهو يتحدث عنك.
أن تتجرد من كل مخاوفك رغماً عنك وتثق من جديد. لأن خلاياك كانت في نسغ شجرة عبر مئات السنين. وعينك شربت من ماء المطر ذات فجر بينما الخلق ببطء وسكينة يتشكل. تتلاشى حدودك. تصبح الأشياء الضئيلة كبيرة.
أنت ذو أبعاد سرمدية.. أنت ميتافيزيقي؛ هكذا تأخذك الغربة إليها ثم تأكلك دفعة واحدة... بينما تحاول دائماً أن تكون انساناً صادقاً صالحاً، وفرداً مخلصاً. رغم الخراب والقسوة... رغم كل شيء. لا تتخلى عنك.
الغربة، أن تمشي. فكل هذا المشي لن يخذلك... لن تكون منسياً.