رواق

«خميسيات» متجمعة

ما معنى أن تجتمع «جمعة مباركة» مع «هلا بالخميس»؟... هذا ما يحدث في الكويت!
«النهاردة الخميس... الونيس، الذي يصر البعض على اعتبار أن ليس فيه ما يدعو إلى الوناسة سوى اسمه، على سيرة ليس فيه ما يدعو، روي عن الراحل يوسف الشيراوي أنه تسلم وزارة الخارجية بالوكالة ذات مرة فقرأ نص برقية رسمية قبل إرسالها، وكانت تبدأ بـ«إنه لمن دواعي سروري»، لكنه حين استكمل القراءة لم يجد فيها ما يدعو للسرور فأضاف جملة شرطية: «مع أنني لا أجد فيها ما يدعو للسرور»، وحين خرجت البرقية بنص: «إنه لمن دواعي سروري، مع أنني لا أجد فيها ما يدعو للسرور»، خرج الوزير من وزارة الخارجية ولم يعد لها ثانية!
كان ذلك في الماضي، الوزراء هذه الأيام يدخلون ولا يخرجون، وإن خرجوا ليس بسبب ما كتبوه، فليس هناك من يقرأ وإن قرأ فليس هناك من يعترض، وإن اعترض لا مكان لاعتراضه سوى اللجان ليدفن بين اروقتها إن كانت لها أروقة، رحم الله غازي القصيبي الذي قال في حياة في الادارة: إذا أردت لموضوع أن يموت فشكل له لجنة، وفي العصفورية قال: من مبدأ تغدَ بهم قبل أن يتعشوا بك ألّفت 51 لجنة وتركت اللجان تتصارع وبدأت أنا أتخذ القرارات، لكنه تراجع عن أقواله في «أبو شلاخ البرمائي» حين قال: كنت أضع المسؤولين في لجان لأقتلهم، ولم يمت أحد، اكتشفت أن اللجان لا تقتل أعضاءها بل على العكس كانت تطيل أعمار أعضائها!
نترك عنا طوال الأعمار، ونرجع إلى الخميس الذي عند البعض... تعيس، ونقول: هنا الكويت... ليس بالضرورة أن تتفق الأسماء مع المسميات على طريقة الشاعر أحمد نجم: «حبيبك يا ريّس ما هوّاش حبيب/‏‏‏ نظيفك يا ريّس ماهواش نظيف/‏‏‏ وحتى شريفك مهوّاش شريف»، لكن هذا الكلام ينطبق عند البعض على الوافدين وحدهم أما الكويتيون -عند البعض أيضاً- فكل حبيب ونظيف وشريف الريّس هو بالتبعية حبيب ونظيف وشريف، وإن قالوا العكس فذلك حسب أفعالهم، أما الأقوال فليست إلا فضفضة!
وعلى سيرة الفضفضة التي صارت قاب قوسين أو أدنى من التجريم والتحريم بحسب القوانين، جعلنا الله من الملتزمين بها، ووجد المحرومون منها ضالتهم في الطبطبة، أغنية الفنان حسين الجسمي، الذي يتنمرون عليه نهاراً ثم يتمايلون عليه ليلاً... فالمحروم من الفضفضة يرتمي في حضن الطبطبة!
قد يطبطب عليّ أحدهم ليقول: ماذا استفدت من المقال؟ فـ«أفضفض» له وأقول: وهل أكتب أنا لتستفيد أنت؟
قديما كان يقال: كلام الليل مدهون بزبدة يطلع عليه النهار يسيح... وحاضراً كلام الخميس، سواء كان ونيساً أو تعيساً نتوب عنه الجمعة، وهذه معضلة تواجهها التي تكتب لكم الخميس لتقرأوا ما كتبته الجمعة، والمعضلة الحقيقية التي يواجهها الكاتب، أياً كان، في العصر الحديث والمعاصر هي: كلما كتبنا عن شيء، استجد ما يستحق الكتابة.
رحم الله القائل: كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، ولا أجد أضيق من مقالين في الأسبوع وسط تطورات تستدعي مقالاً كل ساعتين...«الله يوسعها عليكم خففوا من سرعة تطوراتهم قليلاً واركدوا على الأقل لنستوعبها، تراكم دودهتونا»، كلما اتخذتم قراراً تراجعتم عنه، حتى صرنا لا نعرف ننتقد القرار أم التراجع، ونمدح القرار أم التراجع عنه، وليس ثمة تراجع أكثر من تراجع الخميس من الونيس إلى التعيس، ورغم هذا كله ومن جميع ما سبق وما سيلحق: خميسكم فلّة بس اليوم الجمعة وغداً السبت... أما بعد: أحدٌ!