قيم ومبادئ

القومية الأوروبية إلى أين؟!

اليهود أول من أطلق شعار (أبناء الله وأحباؤه).
وهذه القومية إنّما جاءتهم من فهم سقيم للتوراة، وتحريف لنصوصها - التلمود - فقد قرروا أنّه لا يمكن أن يُبعث نبي إلا من بني إسرائيل، ولذلك كفروا برسالة محمد «صلى الله عليه وسلم»، مع أنّهم يعرفون نَسَبَه تماماً، وأنّه ولد عمّهم إسماعيل عليه السلام!
وقد نزع الله عنهم هذا الشرف لأنّهم لا يستحقونه، فقد انقلبوا على موسى عليه السلام أكثر من مرة وارتدّوا وتحايلوا واستهزؤوا به وبدينه، قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)، ولقد أوصى الله تعالى جميع الأمم بالوصايا العشر المذكورة في سورة الأنعام، وهي عبادته وحده والوفاء بالكيل والقيام بالقسط، فحرَّف اليهود هذه المعاني إلى/‏ لا تزني بيهودية ولا تأكل مال يهودي ولا تقتل يهوديا/‏ والنتيجة أي إنسان غير يهودي لا قيمة له عندهم!
فتولدت عندهم النفس الانتقامية وخاصّة لما كانوا في الأسر البابلي، انتشروا في أوروبا، فلم يستقبلهم النصارى لأنّهم يعلمون أنهم قتلة المسيح، ولذلك اضطهدهم النصارى في كل مكان في العالم.
وأوروبا في العصور الوسطى لم تكن تعرف للقومية معنى، ولكن ظهرت بظهور الثورة الفرنسية (1799 م) التي نادت بالوطنية، وأول ما تفتتت أوروبا على يد حركة الإصلاح الديني المزعوم! ومُؤسّسه (مارتن لوثر)، و(كالفن)، فبرزت البروتستانتية وهي معارضة البابا زعيم الكاثوليك في روما، وأرادا تصحيح الدين فماذا صححا من النصرانية، هل أنكرا التثليث وعبادة الصليب؟ هل أنكرا إباحتهم للخمر والخنزير والزنى؟ هل أنكرا توسط رجل الدين بين الله وبين خلقه، وصكوك الغفران؟
لقد تأثَّر الصليبيون بالمسلمين خلال فترة الحروب المستعرة لما وجدوا المسلمين يقرؤون كتاب الله كما يشاؤون، ويعبدون الله وحده بلا واسطة!
فنشأت حركة سمّوها (حركة تحطيم الصور والتماثيل)، وترجم مارتن لوثر الإنجيل إلى الألمانية كي يقرأه جميع الناس، وتمحورت القومية الألمانية حول البروتستانتية كعقيدة وشعب.
أمّا الفرنسيون فإنّهم بَقوا على الكاثوليكية تبعاً للبابا!
والإنكليز أخذوا العقيدة البروتستانتية وادّعوا حيازتهم لأصل الإنجلو سكسون، وتمدّدوا في العالم حتى أسّسوا أميركا بعد طرد سكانها الأصليين!
وبعد زوال الدولة البيزنطية كان العالم الإسلامي - على الأقل - في حوض البحر المتوسط لا يعرف شيئاً عن القومية ولا الوطنية، بل كان الشعار والدثار (إِنَّ هَ?ذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).
لكن بدأت تظهر آثارها في بلاد الشام أواخر الحكم العثماني، فقد تلقاها نصارى الشام من أوروبا، قال برنارد لويس في كتابه «الغرب والشرق الأوسط»: (تَبَنّي الغرب القومية العربية لتكون معول هدمٍ للإسلام).
فنشأت الجمعية العربية للفتاة والجمعية القحطانية وجمعية العهد، فتغنّى النصارى العرب بأمجاد العرب وأشعارهم الجاهلية، ونشأت في تركيا كذلك الدعوة إلى القومية التركية (الطورانية)، ولكنّهم كانوا من اليهود!
والغريب أنّه لا يوجد أحد في حركة الاتحاد والترقي - وهي الحركة القومية التركية - من أصل تركي حقيقي، وإنّما هم من شذاذ الآفاق من اليهود!
وهذه الجمعيات القومية كلها تهدف إلى تمزيق المسلمين شذر مذر، وذلك لعلمهم بخطورة القومية الأوروبية على أوروبا قديماً وحديثاً.
والمفارقة تكمن بأنّ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بعدما صَدَّرت القوميات للعالم الإسلامي لإضعافه، شَرَعَت تكوّن الأحلاف والتكتلات الأممية العالمية لرعاية مصالحها الكبرى.
لقد بارك وزير خارجية بريطانيا فكرة إنشاء جامعة الدول العربية وكان من روادها الأوائل أعضاء جمعية الفتاة، ونشأ الفكر القومي الذي تولّدت عنه ثورة الحزب البعثي العربي، واستطاع ميشيل عفلق أن يؤسس فكرة عقدية تلقاها الضباط الشباب في العراق وسورية وليبيا والسودان، بل حتى في موريتانيا، فتوالت الشعارات (أمة عربية واحدة... ذات رسالة خالدة).
وهنا تولّد الفكر الشرقي الاشتراكي، فاندمج مع القوميين العرب، وهذه أفكار مستوردة من الخارج، فقامت الثورة في مصر في عهد جمال عبدالناصر على أساس هذا الخليط الفكري، وحتى الفكر الاشتراكي لم يجمع العراق ومصر وسورية لاختلاف الولاءات، هذا من الشرق وهذا من الغرب، وكلّهم اشتراكيون وقوميون، ولكن الذي يجمعهم أنّهم لا يريدون الإسلام.

الخُلاصة:
القوميات هذه كلّها عوامل تفتيت للأمة الإسلامية، بل حتى الوطنية انشطرت إلى قبليات وحزبيات وحضارات مختلفة، فضعف الولاء والبراء الأصيل، وأصبح حب الوطن شعاراً بعدما كان دثاراً.