pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

بوح صريح

ليست بمفردها

المرأة التي في المقهى بمفردها. ليست وحيدة...
إنها برفقة نفسها. أو هكذا يخيل إليها.
ها هي تدس رأسها في كتابها بعد أن دارت بنظرها دورة معتادة حولها. تأملت الناس والحركة وصياح الأطفال ولعبهم والأيدي الممسكة بأكياس مثقلة بحاجيات البيت التي غالباً ستنتهي في القمامة. ثم عادت لعالمها الهادئ الوردي.
تخيل إليّ أنها تطفو على سحابة من ضوء. ليست هنا أو هناك. هي بين... بين. معنا وبمفردها في الوقت نفسه. خارج الزمان والمكان. خلقت لها هالة تسبح من خلالها في رمزيات من صنعها.
فرغم انطلاق موسيقى من مذياع الكافيه. هي كانت تنصت لأغنية تبث من داخلها. ورغم ألوان الديكور من حولها... تراءى لي أنها كانت في غابة. محاطة بأشجار وحقول من زهور وثمر.
***
المرأة التي على الشاطئ ليست بمفردها، إنها بصحبة ذاتها.
أو هكذا تقنعنا وتقنع نفسها.
لا تجدها دون اكسسوارات الوحدة: كتاب. كاميرا. دفتر وقلم. كوب قهوة ضخم. زجاجة ماء. مجلة.
تريد تعبئة وقتها ومواساة جسدها و«الطبطبة» على روحها المثقلة بالفراغ.
هل خُيل إليك يوماً أن للفراغ وزناً وحجماً وصوتاً وعينين وفماً وذراعين وساقين وقامة طويلة مفزعة.
ها هي انتهت من ترتيب الأصداف وبقيت تضبط زاوية عدستها، وتتحرك يمنة ويسرة صعوداً وهبوطاً حتى أعجبتها اللقطة. وسمع صوت زر الكاميرا المدوي وسط صمت هائل على الشاطئ، ذلك الصباح الرقيق الراعش الذي لم يخلُ من سرب نوارس كانت مثلي تتأملها من حين لآخر. ها هي تنفض عنها الرمل... وتتجه لسيارتها وهي تراجع لقطاتها عبر شاشة فيديو الكاميرا.
***
المرأة التي في السينما بمفردها. ليست وحدها. أو هكذا نظن... هي برفقة ذاتها.
دائماً تأتي مبكراً حتى تشاهد الفيلم من لقطته الأولى وافتتاحية مقدمته. فالبداية هي كل شيء.
ها هي تتصفح هاتفها. تتناول بعض الماء. تلتفت حولها. الجميع في جماعات ما عدا رجل أجنبي بمفرده. الأجانب يقدسون العزلة. مر بخاطرها شيء... فابتسمت. غادرت في تلك اللحظة وكانت في «الهناك» بحيز ما في ذاكرتها.
تابعت مقطعاً على الموبايل. فتعكر صفو جبينها لثوانٍ. ثم زمت شفتيها متقبلة وتابعت. أخرجها من تركيزها شجار بعض الصغار بالخلف. تلتفت. التقت نظراتها بالبعض. هل كانوا ينظرون إليها بشفقة، تعجب أو إنكار.
أليس من حقها الهروب من كل الضجر والفوضى والتصنع والغوص في ذاتها. أليس من حقها الانفراد بلحظة تكون مستقلة تماماً وملك نفسها ولا دخل لأحد بذلك. أليس من حقها هذا الصمت والهدوء دون أن يطلب أو يتوقع أحد شيئاً منها.
فقط هي وذاتها.