رواق

البعير أصله سمكة!

نبدو بعارين لكننا أسماك، نذكر ولا نذكر وننسى ولا ننسى، قدرتنا على تحريض وتحرير الذاكرة تستحق دراسة علمية: كيف نذكر عيوب الأحياء وننسى محاسنهم طيلة حياتهم، وحين يموتون، هم نفسهم، نذكر محاسنهم وننسى عيوبهم... سبحان الله!
إذا أردت أن تستحضر محاسنك «اللي فيك واللي مو فيك»، فليس عليك إلا أن تموت وإذا أردت أن تنسفها وتحط عيوب خلق الله في شخصك الضعيف، فليس عليك إلا أن تعود من الموت... لكن الموتى لا يعودون!
رحمهم الله ورحمنا من فضيحة تبدل أحوالنا من نقيض إلى نقيض، ليس نفاقاً، حاشا لله، بل بسبب الأسماك والبعارين التي تستوطن ذاكرتنا... بالمناسبة هل هم بعارين أم أباعر؟
سيأتي من يؤكد أنهم أباعر ويأتي من يدحض بالحجة والبرهان أنهم بعارين، وبعد أيام سيقول جماعة البعارين أباعر وجماعة الأباعر بعارين، ليس لتغيير قناعاتهم أو تبدل وجهات نظرهم- أي دور - ولكن بفضل الذاكرة السمكية التي أنستهم ما دافعوا عنه إلى حد القتال لأجله!
عندما تتغير المواقف سيتحول الجميع إلى أباعر، أو بعارين سمها ما شئت، سيسطرون لك جميع مواقفك المعلنة، وحتى ما كنت تفكر فيه بينك وبين نفسك، يزعمون أنهم يعرفونه عنك منذ كنت في رحم أمك، إي والله، إلا من رحم ربي!
نحن ننسى حتى ننسى أننا نسينا، ونذكر حتى لا نتذكر أننا ذكرنا، وفي ذاكرة النسيان نطوي ما نريد ونستدعي ما نريد، وأحيانا العكس، تختلط علينا المواقف، فننسى كل شيء، إلا ما نريد نسيانه، ونذكر كل شيء، إلا ما نريد تذكره، ويقال إن الإنسان سمي إنساناً لنسيانه، فهل يفقد إنسانيته حين يتذكر؟
البعارين لا تنسى شيئاً حتى تنتقم، والأسماك لا تذكر شيئاً غير التيار الذي هي فيه، تسبح معه أم ضده، ونحن نجمع من كل ضد وضد، فندعي ذاكرة البعارين ونكتشف أننا أسماك، ونزعم أننا أسماك فيتضح أننا بعارين!
غِبْ يوماً أم يومين، سيتحول كل من حولك إلى أسماك، استلم منصباً ستتحول تلك الأسماك نفسها إلى بعارين، لا أنت أنت ولا هم هم، كلما تغيرنا تغيّر محيطنا من صحارى إلى بحار لا قاع لها، كل ذلك ولسان حالنا: الله لا يغير علينا!