مبادئ وقيم

عندنا جامعة؟

المشرق العربي يواجه مرحلة مفصلية في تاريخه العريق، خصوصاً بعد تتابع الأحداث السياسية والفكرية، تتطلب استعداداً لاستثمار طاقاته البشرية وإنشاء نهضته الصناعية، وتنظيم ثرائه الفقهي والعلمي والأدبي.
مؤسف حقاً أن نرى العالم من حولنا يعيد ترتيب حساباته ونحن لا نزال بحالتنا هذه، نمضي للمستقبل بلا عُدّة ولا عتاد!
والدليل أنّنا لا نرى ولا نسمع صوتاً للعواصم العربية الثقافية كالقاهرة وبيروت وصنعاء ومراكش والمدينة المنورة والإسلامية كإسطنبول وكوالالمبور ونيسابور وغيرها تتأهّب لهذا الدور، ولم نسمع حتى من رجال التعليم ووزراء التربية وعمداء الكليات ما المطلوب لمواجهة هذه التحديات والقيام بالمتطلبات؟
وقلَّما فكّروا في التخطيط وتذكير حكوماتهم المُتعاقبة بما يقتضيه التطور، وما يستوجبه الواقع العملي من انقلاب أساسي في التربية والتعليم اليوم!
يا جامعة الكويت...
غاية التعليم اليوم الشهادة فقط، والدليل أنَّ بعض الخريجين يفرض نفسه على الوظيفة بالواسطة، بدلاً أن تبحث الوظائف عنهم!
وهنا لا نكون صنعنا شيئاً، إن لم نكن تأبطنا شراً!
ولو نظرنا إلى الجيل الأول من المعلمين والمثقفين في القرن الثامن عشر تقريباً، الذين تربُّوا تربية صالحة قبل أن ينالوا قسطاً من العلم الحديث، وقلّبنا النظر في مؤلفاتهم الفقهية والأدبية واللغوية، لوجدنا أنَّهم أثبتوا جدارتهم وإن كان عِلمهم يسيراً، مقارنة في مقابل هذا الكم الهائل من الدكاترة المعاصرين المحترمين اليوم أصحاب ثورة المعلومات والألقاب والمسؤوليات، لكنَّهم مُجرَّدون عن التربية السليمة!
فما فائدة هذا الركام وما الناتج منه؟
وكم صرفنا من ميزانيات في وزارة التربية وهيئات التعليم ومراكز الإبداع؟
وما هو الناتج منها؟
والإصلاح يبدأ من الأساس ومن خلال التربية، وهي مُقَدَّمة على التعليم، وتكون من خلال القدوة الحسنة ولا تكون إلا بالمشاهدة والتطبيق، وهذه لا تكون إلا من خلال التعليم الابتدائي، والمدرسة كالبيت الصالح للابن الصالح.
وحال المدرسة اليوم أنّك لا تجد الارتباط الروحي بين المعلم والطالب، بل تجد الطلاب يستخدمون مداركهم للسخرية بالمعلم!
ورسالتي إلى الجامعة خاصة، يجب أن نُفَعّل هدف التعليم العام، ونتفق على رسالة التعليم الجامعي، حتى نصل النتيجة التي لأجلها تنفق الدولة هذه الأموال على التعليم!
ولنأخذ مثالاً كلية الطب في إحدى العواصم العربية مضى عليها أكثر من مئة وخمسين عاماً، فما هو الإنجاز الذي تحقق اليوم وما الجديد؟
وقِس على ذلك بقية الجامعات في العالم الإسلامي والعربي على اختلاف تخصصاتها، ولعلّ السبب في ذلك أنَّ التعليم عندنا انحرف عن مساره، فليس هو العلم المُنتج في ميادين العمل، ولكنّه يراد منه الشهادة التي يحقّ لصاحبها العيش السهل من ميزانية الدولة، وهذا عيب وقصور واضح مقارنةً في الجامعات المتقدمة، والغريب أنّنا ما زلنا مُندفعين بالعربة التي أركبونا فيها، وقد آن الأوان كي يسأل بعضنا بعضاً إلى أين نحن سائرون؟
وهذا سؤال أوجهه لعمداء الكليات بكل التخصصات بعد الثورة الرقمية والأقمار الصناعية، أين دوائر المعارف؟ وأين الفهارس والمعاجم والمخططات التي كنا نقرأ عنها من إنتاج العلماء العرب والمسلمين في فجر الإسلام!
وإن تعجب فالعجب من تقصيرنا نحو أنفسنا وأمتنا ولغتنا العربية وكرامتنا العلمية، رغم وفرة الثروات، والنتيجة أصبح زماننا بأيدي غيرنا فمتى نستيقظ؟!

الخُلاصة:
عزل التعليم عن التربية آفة الآفات، وعزل التربية عن الإسلام مصيبة المصيبات، وعزل الإسلام عن العرب والعروبة نتج عنه هذا الواقع الأليم الذي نعيشه ومكاننا في مؤخرة الأمم!
بعد أن كنّا سادة العالم، وقادة الحضارة الإنسانية على مدى 1400 عام، ارجعوا بالتعليم إلى الأساس وتداركوا الأمر قبل فوات الأوان، فهل من مُجيب؟