قيم ومبادئ

لايغرك شراعه!

«لا يغرك شراعه تراه سمّاري»، هذا مثل يُطلق كي لا يغترّ الإنسان بمظهر السفينة وشراعها الأبيض المنتشر في الهواء، ولكنها تسير على غير هُدى بل تجري مع التيار!
إعلامنا وخطابنا العام يعاني اليوم من زخرفة الأقوال والأفعال في المجال الثقافي والتربوي والسياسي والتجاري، وأهمها الإسلامي!، حيث قُلبت الحقائق فأصبح الباطل حقاً والحق باطلاً!
وهذا ابتلاء من الله تعالى ليتضح الحق بدلائله لا بقائله، فإنّ الحق يتضح ويتلألأ إذا قام الباطل يُصارعه ويُقاومه بالعبارات المُزخرفة التي تستميل قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وانعدام العقول الراجحة لديهم يجعلهم يرضون زخارف القول، ويصغون إلى المتكلم ويميلون إليه ويزينه الشيطان في عقولهم وقلوبهم ونفوسهم، فيصبح إرادة راسخة وصفة لازمة لهم.
وأخيراً يتحول إلى أعمال وأقوال هم لها عاملون، مثل قلب المفاهيم وهو من لوازم تلك الأفكار المُنحرفة، وهذه حال المُغترين بشياطين الإنس والجن وما أكثرهم اليوم!
وأمّا أهل الحق وأولو الألباب الوافية، فإنّهم لا يغترّون بتزويق العبارات ولا بسجع الكُهان، ولا تلك التمويهات لأنّ همّتهم مصروفة إلى معرفة الحق ودواعيه، وينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها كلّ داعٍ، فإن كانت حقاً قبلوها وانقادوا إليها ولو كُسيت عبارات قديمة أو بسيطة واضحة.
وإن كانت باطلاً، ردّوها على قائلها كائناً مَن كان، ولو أُلبست من جميل الألفاظ وبديع الأوصاف ما هو أرقّ على السامع من نسمات الربيع.
فقد أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم سجع الكُهان وأهل البوادي، وذَمَّهُ لأنّه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله، وذلك لما اقتتلت امرأتان فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها وجنينها، فاختصموا للنبي صلى الله عليه وسلم فقضى فيه بغرة وجعله على عاقلة المرأة القاتلة، فاعترض وليّ القاتلة فقال: كيف نَدِي مَن لا صاح ولا أكل ولا شرب ولا استهل؟
بمعنى كيف ندفع ديّة الجنين وهو ما صاح ولا رفع صوته، ولم يظهر منه شيء يدل على أنه حيّ، فقال صلى الله عليه وسلم مُنكِراً عليه: (اسجع كسجع الأعراب).
وفي مجال الأخلاق والتربية والسلوك قال صلى الله عليه وسلم: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف يسمّونها بغير اسمها)، وهذا من تزيين المنكر لتقبله النفوس الدنيئة.
كما أنَّ أهل الباطل لخبث طويتهم يُزيّن بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويُزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة ليغتر به السفهاء وينقاد له ويتداوله الجهلاء، قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ)، مثل الحجاب والعفة والحياء للمرأة يعتبرونها رجعية وتقييداً للحرية!
في مقابل عُري المرأة تقدمية! والشذوذ حقوق شخصية!
ومن انتكاس المفاهيم عندهم، تجدهم ينهون عن الإيمان والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة والعلوم النافعة والآداب الحسنة.
وهذا الباطل المُتعدد المُتزخرف له أمد ينتهي إليه، وذلك بعدما راق في نظر الناظرين، فأصبح بهجة ونزهة للمتفرجين، وآية للمتوسمين، فصرت ترى لهم منظراً عجيباً ما بين أخضر وأصفر وأرجوان، وحصل لاتباعه طمع باستقراره ودوامه لانتهاء مرادهم ومطلبهم إليه، فبينما هم على هذه الحال، أتاهم الحق من عند الله ليلاً ونهاراً كالحصيد الذي لم يغنَ بالأمس.
وإحقاق الحق وإبطال الباطل عام في جميع المسائل الدينية، لا يورد مُبطل شبهة عقلية أو نقلية إلا ويسوق الله تعالى من القواطع العقلية والنقلية ما يُزهق هذا الباطل ويقمعه.

الخُلاصة:
قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى? بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ).