نظرة على «كارثة بيروتشيما» ومثيلاتها... عَبْرَ ثقوب شرائح جُبن «ريزون» السويسري!

  • كارثة ميناء بيروت أطلقت صافرة إنذار جدّدت التحذير  من عواقب اختلال  «أمن الموانئ» بمفهومه الشامل 
  • أسباب كوارث الموانئ شائعة على نطاق عالمي شبه يومي وتشكِّل تهديدات مُتربّصة ... ومن بينها الفساد 
  • المخاطر تشمل التهريب والتخلّي عن النفايات عالية الخطورة في الموانئ   
  • الحلول ترتكز على سد  «ثقوب شرائح الجبن السويسري»

وفقاً لأحدث المعلومات، لقي ما لا يقل عن 160 شخصاً مصرعهم وأصيب أكثر من 6 آلاف آخرين جراء الانفجار المزلزل المدمر الذي حصل في ميناء بيروت جراء انفجار شحنة مخزنة قوامها نحو 2700 طن من مادة نترات الأمونيوم الكيميائية شديدة التفاعل الانفجاري.
وبينما ما زال غبار ودخان تلك الكارثة عالقاً في أجواء الغضب الشعبي والنقاش الاجتماعي والمناورات السياسية حول تلك الكارثة وحول ما إذا كانت ناجمة عن إهمال جسيم أو عن عمل عدائي مُدبّر، فإن المأساة أطلقت صافرة إنذار قوية أيقظت التحذير من العواقب الوخيمة التي يمكن أن تنجم عن انعدام أو اختلال «أمن الموانئ» بمفهومه العام الذي يشمل جميع أنواع المخاطر المادية وغير المادية.
في سياق هذا التقرير، نلقي نظرة تأملية بانورامية في ضوء كارثة ميناء بيروت – أو كارثة بيروتشيما – و«مثيلاتها» المحتملات، وهي نظرة عبر ثقوب «نموذج ريزون» (طالع الكادر والمخطط التوضيحي). و«نموذج ريزون» هو تصوّر لتحليل المخاطر ابتكره البروفيسور البريطاني جيمز ريزون ويوضح كيفية نفاذ الأخطاء المؤدية إلى الكوارث من خلال الثغرات التي قد توجد في أي منظومة إدارة مخاطر، وتكون تلك الثغرات الأمنية أشبه بالثقوب التي توجد في شرائح جبن سويسري متراصة رأسياً على مسافات وتمثل كل واحدة منها إحدى طبقات الدفاع في تلك المنظومة.

ما قبل الكارثة!

كانت شحنة نترات الأمونيوم المشؤومة قد وصلت إلى ميناء بيروت قبل نحو 7 سنوات (في العام 2013) على متن سفينة شحن يملكها رجل أعمال روسي، حيث احتُجزت تلك السفينة في الميناء ومُنعت من المغادرة آنذاك بعد أن اتضح أنها تفتقر إلى اشتراطات معينة تتعلّق بالسلامة وأنه يوجد فيها اختلالات تقنية وميكانيكية تجعلها غير صالحة للإبحار.
ولأن مالك تلك السفينة قرّر التخلى عنها وعن شحنتها وحتى أفراد طاقمها الذين كانوا على متنها، فإن سلطات ميناء بيروت قامت آنذاك بنقل شحنة نترات الأمونيوم من على متن السفينة إلى مستودع كان منتصباً على مقربة من رصيف الميناء ذاته... وهو المستودع الذي تحوَّل إلى أثر بعد عين جراء الانفجار الكارثي الذي أطلقت عليه «الراي» لقباً إعلامياً متميزاً هو «بيروتشيما»، وذلك في منحوتة لفظية ارتكزت على المضاهاة مع كارثة هيروشيما الذرية في نهايات الحرب العالمية الثانية.

كارثة استثنائية
... بأسباب تقليدية

وصحيح أن تلك الكارثة في حد ذاتها استثنائية بكل المقاييس، لكن الأحداث والأسباب والتطورات التي أدت إليها ليست كذلك، بل هي أسباب تقليدية موجودة ومنتشرة على نطاق عالمي شبه يومي.
فشحنات المواد الخطرة يتم نقلها وتخزينها يومياً عبر محيطات العالم بشكل يومي. وفي كثير من الحالات يتم التعامل مع مثل تلك المواد إما بإهمال يتجاهل معايير السلامة أو بطرق غير قانونية (من خلال التهريب وما شابه ذلك) أو بإساءة استخدامها في أغراض إجرامية أو إرهابية.
ولا يكاد يوجد ميناء بحري حول العالم لا توجد فيه حاويات بضائع خطرة مهجورة أو مخزنة بطرق غير آمنة كتلك التي أدت إلى انفجار ميناء بيروت، ما يجعل تلك البضائع أشبه بقنابل موقوتة تشكل تهديداً في أي لحظة أو مصدر إغراء لمَنْ يخططون لإساءة استخدامها بشكل أو بآخر.
وبينما تميل سلطات الأمن البحري حول العالم إلى التركيز بشكل أساسي على اتخاذ التدابير الكفيلة بمنع الحوادث والمخاطر البحرية البارزة - كالقرصنة أو الإرهاب أو الهجمات السيبرانية على شبكات الموانئ الالكترونية – فإن الذي يحصل غالبًا هو أن إساءة التعامل مع المواد الخطرة هو الذي يؤدي إلى مثل تلك الكوارث المأسوية.
ولهذا السبب، يتّفق خبراء في هذا المجال على أن منع الكوارث مثل تلك التي حدثت في بيروت يعتمد بشكل كبير على تعزيز وتطوير ومراقبة آليات ومنظومات إدارة الموانئ والتصدي للجرائم ذات الصلة، كالتهريب والفساد.

سفن وحاويات... مهجورة

منذ العام 2017 وحتى الآن، سجّلت المنظمة البحرية الدولية (IMO) نحو 97 حالة تخلٍ عن سفن وأطقمها في أماكن متفرقة حول العالم.
وعادة، يتم التخلي عن سفينة الشحن البحري من جانب مالكها أو مالكيها عندما تصبح تكاليف صيانة وتشغيل السفينة أكثر بكثير من الأرباح التي يمكن تحقيقها من ورائها، أو ربما عندما يتم احتجاز السفينة من جانب سلطات إحدى الدول وفرض غرامة ثقيلة عليها. وفي حين تخيم المأساة على أوضاع وأحوال معيشة البحارة الذين يكونون على متن مثل هذه السفينة عقب التخلّي عنها - حيث إن دفع أجورهم يتوقف بشكل شبه تام وقد لا يحصلون سوى على القليل من الطعام على مدار أشهر - فإن مصير المواد الخطرة التي تكون على متن السفينة غالبًا ما تصبح تهديداً كامناً يبقى متربصاً في صمت وقد يخلق أضرارا جسيمة سواء بشكل تدريجي أو على نحو مفاجئ في صورة كارثة جماعية مدمرة وكاسحة كتلك التي ضربت بيروت قبل أيام قليلة.
ولأن إحصائية المنظمة البحرية الدولية المذكورة آنفاً لا تشمل سوى حالات السفن المهجورة فقط الراسية في المرافئ، فإن هذا يعني أننا لا نعرف سوى القليل جداً عن أعداد وأوضاع الشحنات والحاويات الخطرة المهجورة الموجودة في الموانئ حول العالم.
ووفقاً لتقديرات أوردها تقرير ذو صلة أعدته وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، فإن المرجح هو أن أعداد تلك الحاويات والشحنات كبير نسبياً. فغالبًا ما يتم التخلي عن حاويات داخل الموانئ حول العالم، وأحيانًا يكون ذلك متعمداً بتخطيط إجرامي كالرغبة في التخلّص من نفايات سامة بتلك الطريقة، أو بتخطيط من جانب مسؤولي موانئ فاسدين، وذلك كخطوة أولى في خطة من جانبهم لنهب محتويات تلك الشحنات بشكل تدريجي لاحقاً بعد إرغام أصحابها بطريقة أو بأخرى على التخلي عنها.
وعلى الرغم من وجود جهود يتم بذلها من جانب السلطات المعنية للتصدي لتلك الممارسات، فإن تلك المشكلة مزمنة بطبيعتها ولا تزال منتشرة وتواجه تحديات وعقبات مستمرة على طريق معالجتها.

تهريب النفايات الضارة
... دولياً

يتمثّل أحد أخطر تهديدات الموانئ حول العالم في عمليات تهريب النفايات الخطرة من دولة ثم التخلي عنها في ميناء دولة أخرى للتخلص منها دون أن يتحمل المهرب أي تبعات أو مسؤوليات.
وما يحصل غالبًا من خلال عمليات التهريب تلك هو أن سفن شحن عملاقة تبحر إلى آسيا حاملة حاويات فارغة، إذ ان معظم تدفقات البضائع التجارية تتدفق عادة من آسيا إلى أوروبا. ونتيجة لذلك، فإن تلك السفن تكون على استعداد عادة لقبول حجوزات لنقل شحنات كبيرة الحجم بأسعار منخفضة في رحلة الذهاب.
وقد أدى ذلك الأمر إلى تسهيل ازدهار تجارة تهريب النفايات بين الدول إلى جانب أنشطة تهريب، حيث يتم نقل حاويات شحنات غير قانونية من النفايات السامة والضارة - كالمواد البلاستيكية غير القابلة لإعادة التدوير والنفايات الكيميائية والإشعاعية – من بعض الدول الغربية إلى موانئ بعض الدول الآسيوية وخصوصاً الدول الفقيرة نسبياً و/‏‏‏‏أو المنكوبة بالفساد. وعن سبق إصرار وترصد، يتم التخلي عن عشرات الآلاف من تلك الحاويات بمجرد وصولها إلى موانئ تلك الدول لتبقى جاثمة وتشكّل تهديداً للسلامة والصحة العامة.
وصحيح أن معظم تلك النفايات والمواد المهجورة في كثير من الموانئ حول العالم تكون عادة أقل خطورة من مادة نترات الأمونيوم التي كانت السبب الرئيسي وراء انفجار ميناء بيروت، لكن يبقى من الممكن أن تتسبب في أشكال مروعة من الأضرار والإيذاء والتلوث البيئي الجسيم.

مثال... وجرس إنذار

وكمثال يمكن اعتباره بمثابة جرس إنذار، اكتشفت السلطات السريلانكية في العام 2019 وجود تسريبات لسوائل منفرة الرائحة من أكثر من 100 حاوية مهجورة في ميناء كولومبو. وبالفحص، اتضح أن تلك الحاويات مملوءة بنفايات طبية عالية الخطورة بما في ذلك رفات بشرية وبقايا عينات دماء. واتضح أيضاً لاحقاً أن جزءاً من السوائل المتسربة من تلك الحاويات تغلغل في أعماق التربة ولوّث المياه الجوفية والسطحية على مدار العامين اللذين بقيت الحاويات ملقاة خلالها في الميناء دون رقيب.
وفي حين تمكنت سلطات ميناء كولومبو السريلانكي من اكتشاف وتدارك هذه، فإن المرجح هو أن هناك حالات مشابهة كثيرة لم يتم اكتشافها حتى الآن في مئات الموانئ حول العالم.

سُبل التصدي والوقاية

إن مشكلة التخلي عن حاويات البضائع والمواد الخطرة في الموانئ ليست مشكلة جديدة. ومنذ 20 عاماً تقريباً، بدأ بذل جهود وتدابير دولية منسقة ضخمة في سبيل زيادة وتعزيز مستويات الأمن والوقاية في الموانئ حول العالم من خلال بروتوكولات بين دول العالم حول المراقبة والتدريب والسلامة. لكن في ظل استمرار تفاقم مشكلة التخلي، يمكننا القول إن هذه التدابير ما زالت غير كافية لتحجيم تلك المشكلة ودرء إفرازاتها الكارثية.
من هذا المنطلق، يوصي خبراء في مجال الأمن البحري بالبدء في التعامل بصرامة أكبر مع أنشطة تهريب النفايات بين الموانئ والتخلي عن السفن والحاويات التي تحمل مخالفات خطرة وممارسات الفساد من جانب مسؤولي الموانئ حول العالم، وذلك اعتبارها جرائم كبرى تستوجب أشد العقوبات. وهذا يعني أنه ينبغي النظر إلى جميع تلك الأنشطة والممارسات غير القانونية والإجرامية باعتبارها أجزاء خطيرة في أجندة «الجريمة الزرقاء» التي تمس الأمن البحري عموماً وأمن الموانئ بالتبعية.
لذا، فإن هناك حاجة إلى سن تشريعات ملائمة لتجريم تلك الأنشطة وتغليظ عقوباتها الجنائية والحرص على الصرامة في آليات مراقبة جميع أركان منظومة أمن وسلامة الموانئ بما يضمن منع جميع المخاطر المحتملة، خصوصاً التي من شأنها أن تتسبّب في تداعيات كارثية مميتة أو مسببة لأمراض خطيرة. وفي هذا الإطار، ينبغي خلق قاعدة بيانات دولية لمثل هذه الجرائم، وكذلك إيجاد تعاون فعال ومستمر بين الدول للتصدي لتلك المخاطر.
وفي الوقت ذاته، ينبغي الانتباه إلى أن فساد مسؤولي الموانئ والعاملين فيها يلعب دورًا رئيسيًا في ضمان مرور تلك الجرائم الكارثية بعيداً عن أعين المراقبة والمحاسبة والمعاقبة. ومعالجة هذا الجانب تحتاج أيضاً إلى جهود تعاونية متضافرة بين الدول.
كما أن هناك حاجة إلى مضاعفة الجهود في مجال بناء وتعزيز قدرات الموانئ حول العالم في ما يتعلق بطرق التعامل السليم والعلمي مع النفايات الخطرة، وكشف التهريب والتعامل مع حالات التخلي عن الشحنات والسفن. وعلى وجه التحديد، فإن هذا الجانب يبدو ضرورياً للموانئ ذات الموارد والقدرات المحدودة والتي هي وجهات شائعة للحاويات المهجورة، مثل موانئ دول آسيا وأفريقيا.

درس عنيف

وختاماً، فإن كارثة بيروت (بيروتشيما) كانت بمثابة درس عنيف أظهر للعالم أجمع مدى بشاعة الوجه القبيح للتأثيرات التي يمكن أن تخلقها كوارث الموانئ على مدينة كاملة وسكانها. لذا، ينبغي على موانئ العالم أن تتعلّم من ذلك الدرس القاسي وأن تعمل جاهدة من أجل ضمان عدم تكرار مثل هذه الكارثة في المستقبل، وذلك من خلال التعاون على المستويات المحلية والدولية على طريق سد الثغرات التي تنفذ منها المخاطر، بما في ذلك ثغرات الفساد الإداري والإهمال ونقص القدرات.

نموذج «شرائح الجبن السويسري»

في العام 2000، كشف أستاذ علم النفس البريطاني البروفيسور «جيمس ريزون» عن نموذجه الرائد لتحليل المخاطر، وذلك في إطار نظريته المتكاملة المتعلقة برصد «الثغرات» التي قد توجد في أي منظومة إدارية أو أمنية أو دفاعية أو وقائية أو صحية، وهي الثغرات التي يمكن أن تنفذ من خلالها المخاطر التي تؤدي بدورها إلى حصول الحوادث والكوارث والأخطاء القاتلة.
وبات ذلك النموذج يشتهر بلقب «شرائح الجبن السويسري»، وذلك انطلاقاً من كونه يقوم بتمثيل طبقات سياسات وإجراءات الأمن والسلامة في أي منظومة بشرائح جبن سويسري بها ثقوب متفرقة ومتراصة رأسياً في مصفوفة على مسافات.
وفي ما يتعلق بالمخاطر التي تهدد الأمن، فإن صورة مخطط «نموذج ريزون» المرفقة هنا تمثل العناصر على النحو التالي:
• القنبلة الموقوتة: تمثل أي شحنة خطرة مهجورة في ميناء أو مخزونة بأسلوب يفتقر إلى معايير الأمن والسلامة.
• الأسهم الصفراء: تمثل مجموعة المخاطر المحيطة بالشحنة وكذلك التهديدات التي يمكن أن تنجم عن الشحنة ذاتها.
• شرائح الجبن: تمثل طبقات سياسات وإجراءات وتدابير الأمن والسلامة المطبقة في الميناء.
• الثقوب التي في شرائح الجبن: تمثل الثغرات وجميع أشكال الإهمال والتقصير والفساد التي تعتري الظروف المحيطة بالشحنة الخطرة.
• وهج الانفجار: يمثل وقوع الكارثة في نهاية المطاف بسبب نفاذ أحد المخاطر عبر جميع الثقوب (الثغرات).
ويتضح من ذلك النموذج أن إحكام سد الثغرات كفيل بتوفير الحماية اللازمة للحؤول دون حدوث كوارث في الموانئ البحرية.