دموعٌ وشموعٌ وآمالٌ معلّقة

المفقودون... حكايا تحت رماد بيروت فهل يعود الأحبة؟

  • عائلتا علي مشيك وإبراهيم الأمين افترشتا الأرض: بدّنا ولادنا ... جيبولنا ولادنا 
  • والدة الشاب جو عقيقي تُصرّ على أنّه سيعود ... لكن الخبر المفجع  محا كلّ أمل 
  • ريتا فريحة الخوري انتشلتْها سيارة  من تحت الرُكام ... وبعدها فُقدتْ 
  • شربل ونجيب حتي  وشربل كرم...  3 شبان من عائلة واحدة   مفقودون 
  • كارولين زوجة شربل  لا تعرف ماذا تقول  لابنتيها اللتين تسألان:  أين بابا؟ 
  •  تاتيانا حصروتي تبحث  عن والدها غسان: ربما وَجَدَ له  مكاناً للاحتماء 
  • وليام لا يصدّق أنّه  لن يرى بعد اليوم  شقيقه الذي يشاركه  غرفة واحدة منذ الطفولة 
  • دافيد شقيق رالف  لن يفقد الأمل: ارجع يا أخي...  بحثتُ الدنيا كلّها عنك 

جرعةٌ من الأمل يرتشفها أهل عشرات المفقودين في التفجير - المزلزل الذي وقع في مرفأ بيروت مساء الثلاثاء، حين يسمعون أن شخصاً كان في عِداد الذين لم يُكشف مصيرهم وتم العثورعليه حياً، فتسري في شرايينهم الحياة من جديد بعدما باتوا يتجرّعون الموت على دفعات مع كل دقيقة تنقضي من دون خبر عن أبناء وأحبة لهم لم اختفوا خلف غبار «بيروتشيما»...
لكن الكأس المُرة تعود لتسقيهم من مراراتها حين يتبيّن أن «الحبايب» لا يزالون مجهولي المصير وأن الأمل بلقاء قريب قد لا يتحقق.
يتأرجحون بين التسليم بما بات شبه مؤكّد، وبين قطرة ضوء تنبض وتنطفئ في قلوبهم لتذكّرهم بأن الحياة يمكن أن تنبعث من تحت الأنقاض. معاناتهم تعصى على الوصف فالألم أكبر من أن يُحكى، لكن الأيادي البيض المحبّة التي تمتدّ نحوهم تُبَلْسِم بعض الظاهر من جِراحهم، لكن تلك التي تحفر عميقاً تبقى في القلب لا يشعر بها إلا اصحابها «فالجمرة لا تحرق إلا محلها».
حكاياتهم متشابهة رغم اختلاف الأسماء والظروف. أمهات، آباء، أشقاء، شقيقات أزواج، زوجات وأحبة ينتظرون بخوفٍ ممزوج باللهفة سماع أي خبر عن أبناء لهم وأحباء ما زالوا مفقودين.
ألفةٌ حزينة نشأت بينهم، وجمعتهم «مصيبةٌ الدهر» يتمنّون أن يصحوا منها على خبرٍ ما... أي خبر. يتمنّون أن يكون أحباؤهم أحياء يُرزقون ولو مطمورين تحت الأنقاض، لكنّهم وبومضةِ حقيقةٍ تلتمع في أذهانهم، يعرفون ان الأمل بعد خمسة أيام يكاد يكون معدوماً، يسلّمون بمشيئة الله تعالى لكن بحثهم لن ينتهي يريدونهم أشلاء، قطعة منهم تكفي ليتمكنوا من دفنهم والصلاة عليهم. إنه الألم بكل أبعاده بات يسكن أهل المفقودين المعلّقين بين الألم والأمل.
يومياتهم تكاد أيضاً تتشابه، جولاتٌ جديدة على المستشفيات وبحثٌ في لوائح الأسماء، علّهم سهوا في المرة الماضية عن اسمٍ أو وجه أو سرير. اتصالاتٌ مع مسؤولين... فوضى، ضياع، تخبّط، فالأمور لم تنتظم بعد وأعداد المصابين والمفقودين هائلة لم يتم التحقق من جميعها حتى اللحظة. إنّه الغضب يجاور الألم ويتخطاه في أحيان كثيرة.
كيف ينام المسؤولون وأبناؤنا غائبون؟ لماذا لا يسرّعون عمليات الإنقاذ التي انضمّت إليها فرق روسية وفرنسية؟ لماذا لا يطلعوننا على مستجداتها؟ لماذا لا يضعون أرقام هواتف طوارئ في خدمتنا؟ لماذا، لماذا... تكثر الأسئلة وتكبر النقمة. لكن الأعمال تسير بوتيرتها، وإن شاؤوا لها أن تحدث بسرعة البرق ليطمئنوا إلى مصير أحبائهم.
بعض القصص كانت نهايتها سعيدة وبعضها ما زال ينتظر النهاية.
عائلة علي مشيك، افترشت الأرض قرب أحد مداخل المرفأ - الصريع ومعها عائلة إبراهيم الأمين. رَفضوا المغادرة رغم طلب السلطات... تجمّعوا معاً ليستمدوا القوة من بعضهم البعض: بدّنا ولادنا، جيبولنا ولادنا... هذا كان مطلبهم الوحيد. صرخة يطلقونها في وجه كل مَن يقترب منهم، ويهرع والد أحدهما لإبراز صورة ابنه على هاتفه فيما تصرخ الأم نائحة: ما بدي شي من الدنيا إلا ابني... لأيام بقيت العائلتان على الأرض تتابعان أعمال الإغاثة ورفْع الأنقاض، تصليان، تتلوان الأدعية، وتتأملان. صارت الأرض هناك مأوى لهم ومأكلاً ومشرباً.
التعب يهون وحتى الذلّ شرط ان يعود الحبيبان. لكن أيام الانتظارالمحمومة تتفتّق عن خبرمؤلم: علي مشيك وابراهيم الأمين باتا في عداد الشهداء. تم انتشال جثتيهما من تحت الأنقاض...انطفأ الأمل تاركاً مكانه لوعةً لن تنطفئ.
على شاشة التلفزيون ظهرتْ والدة الشاب جو عقيقي لتؤكد على الملأ أنها تعرف أن ابنها حيّ يرزق تحت أنقاضٍ ما كان حتى قبل السادسة من مساء 4 اغسطس مرفأً وصار أطلالاً... فـ جو بطل تغلّب على صعاب أكبر من هذه بكثير، علّمتْه منذ صغره ألا يستسلم وسلّحتْه بالإيمان. تعرف أنّه سيعود الى حضنها هو الذي لم «يزعّلها» يوماً. رغب بالسفر لكنّها منعتْه وأرادتْه بقربها وأن يبقى متمسكاً بوطنه ويسقي أرزاته. أهل قريته الجبلية هبّوا جميعهم للبحث عن شاب يحبّون فيه طيبة قلبه واندفاعته وإيمانه، لم يتركوا مستشفى لم يبحثوا فيه، لم يستثنوا مسؤولاً إلا وسألوه. تتمسك الأم بحبال الأمل الواهية وتؤكد بين الدمعة والابتسامة أن استجابة هاتفه قد تغيّرت وهذا دليل خير، تسمع إشاعة عن أحد عناصر فوج الإطفاء المفقودين حاول الاتصال بأهله فيزداد الأمل في قلْبها. لكن الخبر المفجع في اليوم التالي يمحو كل أمل. وُجدت جثة جو عقيقي وسط الأنقاض في المرفأ حيث كان يعمل في الإهراءات... انتهتْ رحلتُه لتبدأ رحلة آلام وأحزان لا تنتهي في قلب أمه وكل محبّيه.
قصة ريتا فريحة الخوري، تختلف عن قصص المفقودين الأخرى، فهذه الأم الصبية نُقلت في سيارة غريبة انتشلتْها من تحت الركام وأسرعت بها الى ما يفترض أن يكون أقرب مستشفى. وبعدها فُقدتْ ريتا ولم يعد زوجها وابنتاها الطفلتان ووالدها المُسِنّ يعرفون عنها شيئاً. بحثوا في كل المستشفيات ولم يجدوا لها اسماً.
كيف اختفت تلك الأم التي لا تفارق الابتسامة وجهَها. أصدقاؤها أطلقوا حملة واسعة على مواقع التواصل علّ أحدهم يروي قلوبهم بخبرٍ عنها. والدها ازداد ثقل السنوات عليه فجأةً، وزوجُها كالمجنون لا يهدأ، يبحث بلا هوادة، يفتّش المستشفيات سريراً سريراً، ومعه مجموعة أصدقاء.
الى أن يَزف عليهم أحدهم الخبر «إنها في مستشفى أوتيل ديو غائبة عن الوعي. تم تنويمها قصداً لأنّها كانت تحت الصدمة وربما تعاني ارتجاجاً في الدماغ». تنفّس الجميع الصعداء، رفعوا صلوات الشكر وتسلّحوا بأملٍ جديد بأن تقوم من محنتها بخير.
ومثل ريتا، قصة شاب تمكّنت فرق الإنقاذ من انتشاله من البحر بعد 30 ساعة من انفجار مرفأ بيروت... صمد وبقي على قيد الحياة في انتظار وصول المُنْقِذين إليه. حاله حرجة ونُقل الى المستشفى فوراً. علم الأهل بنجاته لكنّهم لم يعلموا إلى أي مستشفى نُقل. أملهم شابَه الخوف والقلق حين تأخّروا في إيجاده وارتفعت دعواتهم الى الله تعالى لتُكتب له السلامة والحياة من جديد كما كُتب له الإنقاذ من البحر.
قصته أعادت إضاءة شعلة الأمل في قلوب أهالي المفقودين، ولا سيما ان البقاء في البحر أصعب من البقاء تحت الأنقاض. وجاء انتشال سيدة من تحت الركام بعد ثلاثة أيام ليؤكد أنّ الأمل يجب ألا يُذوى.
عشرات المفقودين أعلنتْ وزارة الصحة أن مصيرهم لا يزال مجهولاً. ربما يضافون الى لائحة ضحايا انفجار «بيروتشيما» المشؤوم، وربما يتلطّف القدر ويكتب للبعض منهم حياة سُرقت منهم عنوة ولو كان الأمل بذلك ضئيلاً.
مواقع التواصل الاجتماعي تجنّدت لخدمة قضية المفقودين، فأطلقت صفحات لنشر صورهم وإرسال أي معلومات يعرفها البعض بشأنهم. Locatevictimsbeirut هي صفحة رسمية باتت تضم أكثر من 110000 متابع، تعلن بشكل دوري عن أسماء الذين وُجدوا وتمّ التعرف إلى مواقعهم في المستشفيات التي تعالجهم وكذلك أسماء الضحايا الذين يتم العثور على جثثهم.
على الصفحة أسماء لمواطنين مفقودين، ولكن غالبية الأسماء لمقيمين غرباء أتوا لبنان لتحصيل لقمة العيش وهرباً من ظروف صعبة يعيشونها في بلدانهم، فإذا بسعيهم وراء الحياة يتحوّل الى جريٍ نحو الموت. سوريون، مصريون، اثيوبيات، فيلبينيات يرسل أصدقاؤهم صوراً لهم الى الصفحة، علّ أحداً يعرف عنهم شيئاً وكأن شقاء الغربة وحده لا يكفي لتضاف إليه لوعة فقدان إخوة وأحباء في أرض غريبة.
أجانب كانوا في زيارة عمل أو سياحة في لبنان فُقدوا ايضاً: أُمّا وابنها لوري وتوماس بابين لم يُعرف عنهما شيء حتى اليوم، أتيا بحثاً عن الفرح فكان الحزن والموت ربما على الموعد بدلاً منه.
تتوالى القصص مؤلمة حزينة، تكاد القلوب لا تحتمل قسوتها. ثلاثة شبان من عائلة واحدة مفقودون: شربل حتي، نجيب حتي وشربل كرم. الأوّلان أبناء عمّ والثالث صهر أحدهما. معاً كانوا في فوج الإطفاء ومعاً كانوا على كل دروب الحياة ولم يفرّقهم حتى الانفجار المشؤوم وما زال مصيرهم المجهول واحداً.
والد شربل تنقّل بين المستشفيات وعثر في أحدها على سرير يرقد عليه شاب لم يَعرف إذا كان حياً أو ميتاً، رَكَضَ نحوه: وَجَدَ ابنه، رآه أمامه، نظر إليه، تفحّصه... نعم أراد أن يكون ابنه... قريبٌ له يرافقه أيقظه من الحلم: هذا ليس شربل. سأله الممرض هل يحمل ابنك علامة ما؟ «تاتو» (وشم) مثلاً؟ تذكّر أنه يحمل اسم شقيقته وشماً على كتفه. قَلَبَ الشاب، بَحث عن الوشم، فلم يجده...عاد والخيبة تعتصر قلْبه.
أم شربل تطلق صرخةَ ألمٍ تصمّ الاذان: «ابني، ابن سلفي، وصهري ماتوا؟ ذهبوا شهداء؟ لأجل أي قضية؟ لم يحاربوا العدو، لم يحرّروا الأرض؟ هل يمكن أن يكونوا قد استشهدوا من أجل فاسدين يحكموننا ليعيش أبناؤهم ويموت أولادنا»؟
«بدّنا ولادنا» تصرخ، بدّنا نفرح فيهم! لكن فرحة الأم ليست كتلك التي رَسمت لها صوراً منذ صغرهم. إنها فرحة الدفن، أو «عرس السما» كما يقال في بعض ضيع لبنان. لكنّها تتدارك، متعلقّة ببصيص أمل لا يزال موجوداً: «أولادنا هناك، اتركونا نبحث عنهم...».
كارولين زوجة شربل كرم لا تعرف ماذا تقول لابنتيها اللتين تسألان: «أين بابا»؟ دموعها هي الجواب الوحيد، أما والد شربل فيصرخ إليه قائلاً: «طمئنا ولو في المنام يا حبيبي». هو الابن الوحيد للعائلة على ثلاث شقيقات.
انطونيلا شقيقة شربل حتي، ترتدي سترته الخاصة... تريد أن تشم رائحته فيها لتشعر بأنّه قريب منها. غضبها يفوق الألم في الوقت الحاضر. صرختها تدوي: «كرمال مين، كرمال شو، من أجل مواد كيميائية مَنْسية في عنبر»؟
تعرف أنطونيلا أنّهم في حال لم يُنتشلوا في ساعات معدودة، فإن أرواحهم تكون صارت فوق في السماء. وتعرف أن عودتهم باتت صعبة ولذا صرختها تدوّي في وجه مَن كان السبب في رحيلهم. تهتف بالمسؤولين: «أخرجوا وانظروا الى وجَع الآباء والأمهات والأشقاء، تعرّفوا الى الألم الذي يمزّق قلوبهم علّكم تدركون ماذا ارتكبت أياديكم»!
أهل نجيب حتي، اختنقت الصرخة في صدورهم، باتوا عاجزين عن الكلام. وحدها صلواتٌ صامتة وأفكار حزينة تتخبط داخلهم. يتقاذفهم الكابوس والأمل. خال نجيب هو الذي يصرخ مطالباً بالعدالة والاقتصاص من المجرمين. يعدّد مزايا الشاب الطيب ويخبر الناس عنها بفخر وحب ويقول «ضيعانهم هو ورفاقه الأبطال بهذه الدولة».
تاتيانا حصروتي، صبية جامعية حَمَلَها القدر فوق سنوات عمرها اليافعة ووجدت نفسها تدافع بطاقةِ سنواتِ شبابها عن قضية والدها المفقود غسان حصروتي. منذ اليوم الأول استنفرت تاتيانا وصبّت كل جهودها لمعرفة مصير والدها، تنقّلت بين المستشفيات والجثث، حشدت حولها الأهل والأصدقاء، وأرسلتْهم بعثات بعثات للبحث في المستشفيات. أطلقت أوسع حملةٍ على مواقع التواصل للمساعدة في البحث أو إيجاد اي معلومة... عرضت على السلطات استئجار معدات على حساب العائلة الخاص للمساعدة في البحث تحت أنقاض إهراءات القمح.
ترفض الاستسلام حتى بعد مرور خمسة أيام: «والدي أمضى عمره في إهراءات القمح، يعرفها جيداً»، تقول، «ربما وَجَدَ له مكاناً للاحتماء، أريد فقط ان تتسارع عمليات الإنقاذ لأنّها لو تمت في اليوم الأول بصورة سريعة وفعالة لأمكن إنقاذ الكثير من الارواح».
غاضبة هي، ناقِمة، ثائرة على كل مَن تسبب في ضياع الأرواح والممتلكات والوطن. تريد والدها، الأب الحنون المحب المؤمن الذي قضى عمره يؤمّن القوت للناس، لكنّها تريد ايضاً العدالة له ولكل الضحايا، ولن تستكين هي التي تدرس المحاماة قبل ان تتم مقاضاة الجناة. المحبون حول العائلة كثر، لم يتركوها لحظة، يؤمّنون الوجبات اليومية، يصلّون، يدعون علّ الدعاء يُستجاب وتعرف تاتيانا واهلها مصير الوالد المفقود.
مثل تاتيانا، لم يصدّق وليام شقيق جو نون أنّه لن يرى شقيقه بعد اليوم. هما اللذان كانا يتشاركان غرفة واحدة منذ الطفولة، ولا يزال ينتظر أعجوبة تعيد إليه أخيه ولو أنه يعرف في قرارة نفسه أن عودته باتت مستحيلة.
لا يعرف هذا الشاب اليافع على مَن يبكي أكثر: شقيقه المفقود أم أمه التي تنتظر في بيت أخيه الذي ما زال طور البناء رجوعَه، هي التي كانت تهتمّ معه بزراعة الأشجار حول البيت وتشرف معه على أعمال البناء بانتظار ان تكتمل لتفرح بابنها وتراه عريساً.
وليام يشعر اليوم بأن قطعة منه رحلت، لا بل أن كلّه قد رحل مع أخيه البطل. نعم هو بطل في نظره، ويستحق البطولة وأن تنتشر صوره على الطرق مع رفاقه الأبطال من فوج الإطفاء أكثر من أي زعيم أو مسؤول. فهم قدّموا حياتهم في سبيل فكرة سامية آمنوا بها وهي مساعدة مَن يحتاج إليهم فيما أولئك لم يهتموا إلا بأنفسهم ومصالحهم.
رالف ملاح وجو صعب زميلان، لا بل شقيقان لا يفترقان، معاً انخرطا في جهاز الإطفاء ومعاً شاركا في كل عملياته ومعاً فُقدا. منطقة عين الرمانة كلها حزينة على غيابهما، تنتظرهما، أضاءت الشموع في طرقها وعلى الشرفات على نية عودتهما.
دافيد شقيق رالف مستعدّ ان ينتظره لأيام وأسابيع واشهر وسنين. لن يفقد الأمل فهو يودّ فقط أن يستعيد ضحكة أخيه. يناديه قائلاً: «ارجع يا أخي. بحثتُ الدنيا كلها عنك، تنقّلتُ بين المستشفيات والجثث وفتحتُ ثلاجات الموتى لأجدك».
يغصّ كلامه بالدمع حين يتكلم عن أخيه ومزاياه ويزداد دمعه حرقةً حين يصرخ مطالباً بشنق المسؤولين علّ قلوب أهاليهم تحترق كما احترقت قلوب أهل الضحايا. أما والد جو فيختصر المعاناة بكلمة واحدة: الله يحميهن مطرح ما هني...
الألم واحد، الحرقة واحدة والغضب واحد... لأي سبب فُقد أولادنا؟ لأجل أي قضية حُرمنا رؤيتهم؟ مَن يطفئ اللوعة في قلبنا؟ مَن يردّهم إلينا؟ وحدها العدالة قد تخفّف نار الآباء والأمهات وتشفي غليلهم، ووحدها المطالبة بحقّ أبنائهم تَمنح الأهل القوةَ للصمود والأمل بلقاءٍ قريب مع أبنائهم... في الدنيا أو في الآخِرة.

الانفجار أحدث حفرة بعمق 43 متراً

«ناسا» تكشف حجم الضّرر

كشفت صور خاصة بفريق التصوير والتحليل المتقدم السريع (ARIA) التابع لوكالة «ناسا» الأميركية، بالتعاون مع مرصد الأرض في ?سنغافورة?، الحجم المحتمل للضرر الناجم عن الانفجار الهائل الذي ضرب ?مرفأ بيروت الثلاثاء الماضي?.
وتُظهر بيانات الرادار الفضائي، تغيرات في سطح الأرض قبل وبعد حدث كبير مثل ما يحدث عند وقوع ?زلزال?.
وعلى الخريطة المرفقة تمثل النقاط «البيكسلات» الحمراء الداكنة، مثل تلك الموجودة داخل المرفأ وحوله، الضرر الأشد.
وتضرّرت المناطق باللون البرتقالي بشكل واضح، فيما من المرجح أن تكون المناطق ذات اللون الأصفر قد تعرّضت لضرر أقل إلى حد ما. ويمثل كل بكسل ملون مساحة 30 متراً.
وقد أحدث الانفجار الهائل حفرة بعمق 43 متراً، وفق ما أفاد مصدر أمني نقلاً عن تقديرات لخبراء فرنسيين في الحرائق أُرسلوا إلى المكان.
وأعلن المعهد الأميركي للجيوفيزياء ومقره ولاية فرجينيا، أن قوة الانفجار تعادل زلزالاً شدته 3,3 درجة على مقياس ريختر.