قيم ومبادئ

بُنَيَّات الطريق

مثل أرسله العرب حين قالوا: «دع بُنَيّات الطريق»، ويقصدون عليك بالأمر العظيم الشأن واترك سفاسف الأمور.
والغريب أنَّ أكثر النّاس يسلكون الطرق الوعرة والمُلتوية المُتشعبة من الطريق دون الطريق نفسه الواضح السهل الموصل إلى المقصود، وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله تعالى باتّباعه، وهو بخلاف طريق اليهود والنصارى، ولعلّ أبرز مظاهر القرن الواحد والعشرين، هو انشغالنا في بُنَيات الطريق دون الطريق نفسه، وهذا ما سعى ويسعى إليه اليوم النُّخبة ممّن يملكون ناصية القلم ومنبر الإعلام، التي لبست أثواب الأدب والفلسفة والتاريخ، لترويج الأفكار المُنحرفة على أنّها روايات أدبية، أو ترويج الأفكار الإباحية على أنّها فنٌّ، ولذلك تجدهم دائماً يذكرون سيرة الحلاج والسهروردي وأبي نواس وبشار، أو تفسير تاريخ الإسلام الطويل واختزاله وتصويره على أنَّه هجرة اقتصادية بحثاً عن الطعام!
وبالفعل نجحت هذه الموجات الفكرية في إصابة العقل الإسلامي السليم وانحرافه لتشعبات الطرق المُتعرّجة والقصيرة، وبالتالي الضياع في فيافي القفار، بل أصبحت أعمالهم كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً.
كما وجدنا مَن يُفسّر التاريخ بالتفسير القرآني وصولاً إلى كسب ثقة النّاس ثمَّ هم بعد ذلك يغمزون بعدم صلاحية الشريعة لهذا الزمان، أو يتولّى البعض الآخر تفسير الجنة والنار بأمور أخرى ما جاء بها الإسلام، وصولاً إلى عقيدة الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، وبذلك سيصبح العالم الإسلامي خلال فترة قصيرة مجتمعاً (لا دينياً) في كلّ مظاهر حياته إذا استمرّ بانشغاله في بُنَيّات الطريق، فقد سيطر الشعور لدى غالبية الشعوب المسلمة اليوم استحالة إحداث تغيير نحو الأفضل في واقعها مع فقدان الأمل بإمكانية تحقيق نهضة شاملة وتنمية مستدامة، ولعلّ هشاشة التفكير جرّاء تراكم الأزمات مع غَلَبة التفكير السطحي والنفعي لدى بعض الدكاترة المحترمين اليوم وبعض المحللين السياسيين والناشطين الحركيين أدى إلى تحوّل الحياة إلى مُجرّد فوضى وابتذال وردود أفعال مُتشنّجة، بيدَ أنَّ فَريقاً آخرَ من النُّخب يُجيد التلوّن مع الواقع ليُصبح جزءاً من نسيجه الفاسد بحجة (فقه المرحلة)!
وقابله فريقٌ آخر قَفَزَ نحو المجهول وباع وطنه بثمن بخس بركوبه موجة الثورات والحماس، ولكنّه اصطدم بالجدار لسبب بسيط هو مخالفته للسُّنن الكونية والإلهية في حركة التاريخ والاصلاح.
إننا أمة اختارها الله لحمل آخر رسالاته لأهل الأرض وشرّفنا ببعثة أفضل الرسل، وسيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وكلّفنا في حجة الوداع بتبليغ رسالته فهذا هو الحق الصراح.
ولكننا انشغلنا في بُنَيّات الطريق التي أفرزت لنا هذا الواقع، وهذه الانحرافات ترجع أساساً إلى نظريات اعتمدها الغرب، ثم سرت فينا سريان النار في الهشيم، منها مثلاً ما دعا إليه ماركس من أنَّ التاريخ وهدف الحياة فيه هو المصلحة لا غير، فأدّت بنا هذه الفكرة كما أدّت بالغرب الذي آمن بها إلى فساد خُلقي واجتماعي.
ونظرية دارون التي تقول بانحدار الإنسان من سُلالة القرود، فهدمتِ العقائد وحطّمتِ شخصية الإنسان.
ونظرية فرويد التي فسرت التاريخ بالجنس وبَرّرت تصرفات الإنسان على هذا الأساس الفاسد.

الخُلاصة:
قال ‏صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفاسفها).
إن الجزيرة العربية التي أنشأت الإنسان المسلم وأحكمته رياحها الهوجاء، ولكنّه اليوم بات ضعيفاً أمام رياح الأعاجم والذي زعزع بعزمه قمم الجبال، غُلّت يداه ورجلاه بأمل الاتكال، لانشغاله في بُنَيّات الطريق.