رؤية ورأي

استجواب لاحتواء استجواب

قدّم النائبان في مجلس 2009 عادل الصرعاوي ومرزوق الغانم استجواباً في مايو 2011 إلى وزير الإسكان وزير التنمية الشيخ أحمد الفهد، تضمن أربعة محاور مرتبطة بالتفريط في المال العام وتسهيل الاستيلاء عليه ومخالفة القوانين ذات العلاقة بالخطة الإنمائية ومحاولة إيقاف النشاط الرياضي دولياً.
حسب رأي مراقبين، محاور هذا الاستجواب سبّبت حرجاً شديداً لمجموعة كبيرة من نوّاب المعارضة، الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة محاور الاستجواب المُحكمة وبين سندان تحصين الفهد من تبعات الاستجواب. ومن أجل احتواء الاستجواب، تقدّم ثلاثة نوّاب من كتلة التنمية والإصلاح الدكتور وليد الطبطبائي ومحمد هايف ومبارك الوعلان باستجواب من ثلاثة محاور إلى رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ ناصر المحمد، وبشكل متزامن نشرت بعض الصحف قرار كتلة العمل الشعبي تقديم استجواب آخر موجه إلى الرئيس بعد الانتهاء من استجواب كتلة التنمية. وبالفعل قدّمت كتلة الشعبي استجوابها في اليوم نفسه من تجديد الثقة بالرئيس، يتضمن محاور يصعب إدراجها ضمن اختصاصات الرئيس. ويبدو أن الكتلة بسبب تلك الإشكالية الدستورية سحبت الاستجواب واستبدلته بآخر.
جلسة استجواب الفهد كانت صعبة ويبدو أنه تفاجأ بأحداثها ومجرياتها، وطلب فيها إحالة الاستجواب إلى اللجنة التشريعية لدراسته وبحث مدى تطابقه مع الدستور واللائحة الداخلية. الشاهد أن نوّاب المعارضة خالد السلطان، ومحمد هايف، وناجي العبدالهادي وشعيب المويزري صوتوا لصالح الإحالة، رغم رفضهم المبدئي المعلن لتأجيل أي استجواب من خلال اللجنة التشريعية أو المحكمة الدستورية.
ما يهمني في استجواب الفهد، وما تبعه من تقديم استجوابين لرئيس الوزراء، هو تأكيد وجود معايير أخرى مكمّلة للمعايير الدستورية في العمل البرلماني، ومنها معيارا أولوية الاستحقاق ودرجة المواءمة وفق منظور النائب. ورغم أن بعض النشطاء السياسيين والنوّاب ينتقدون زملاءهم حين يراعون أحد هذين المعيارين، إلا أنهما معياران حاضران صراحة أو ضمناً في الآراء والمواقف الداعمة والمعارضة والمحايدة التي يبديها ويتبنّاها النوّاب في مجلسنا وفي سائر البرلمانات بالعالم.
في المجلس الحالي، يرى مراقبون أن أجواء الاستجواب الثاني المقدّم من النائب رياض العدساني لوزير المالية برّاك الشيتان مشابهة بدرجة كبيرة لأجواء استجواب الفهد. فبعد أن نجحت المعارضة في تحصين الشيتان في الاستجواب الأول بغطاء شعبي عبر ماكينتها الإعلامية الواسعة الانتشار في وسائل التواصل الاجتماعي، أعاد العدساني صياغة محاور استجوابه للشيتان بحرفية وضعت نوّاب المعارضة بين مطرقة حماية جيوب المواطنين وسندان تحصين «وزير»، فلجأت المعارضة مرة أخرى إلى تقديم استجواب ملحق مستعجل - وجهته إلى وزير الداخلية أنس الصالح - لاحتواء استجواب الشيتان.
إلى جانب توجيه استجواب للصالح، تجنّب رموز المعارضة التعليق على وثيقة الشيتان وآثارها الكارثية على المواطن، ومنهم من سعى لإشغال المواطنين بقضايا أخرى مهمة مستحقّة ومفبركة. فهناك من يرجّح أن الغرض من إعداد ونشر مقطع الفيديو «المقتطع» المسيء لعلم الكويت، هو إلهاء الناس عن الوثيقة الكارثية، مستشهدين بتزامن تصريحات عدد من نوّاب ورموز المعارضة - ضد حرق العلم - مع بداية انتشار المقطع.
لذلك من يدّعي أنه يمارس السياسة بتجرّد عن المعيارين: أولويّة الاستحقاق وتوافر المواءمة، إمّا أنه مخادع أو ساذج. فالسياسيون والنوّاب الموالون والمعارضون يمارسونها وفق المعايير نفسها ولكن من منظور مختلف. وجميعهم ينقلب منظورهم السياسي عندما يَتَنَقّلون بين جناحي السياسة: الموالاة والمعارضة، أو بين فئتي الحضور في قاعة عبدالله السالم: النوّاب والضيوف... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».
abdnakhi@yahoo.com