مقدمات اغتيال رفيق الحريري

وضع تفجير بيروت وتحويلها الى مدينة منكوبة مسماراً أخيراً في نعش المدينة التي حاول رفيق الحريري إعادة الحياة اليها ونجح في ذلك بعد إعادة تعمير وسطها.
لم يستمر نجاح الحريري طويلاً. قضى اغتياله في العام 2005 على الفكرة التي اسمها بيروت، قضى عمليا على لبنان.
ما حدث يوم الثلاثاء الوقع فيه الرابع من أغسطس 2020 من انفجار ضخم ليس سوى استكمال لعملية ممنهجة تصبّ في تدمير المدينة انطلاقا من المكان الذي كان احد أسباب ازدهارها، أي من ميناء بيروت.
كان هدف الحريري إعادة بيروت الى ما كانت عليه في الماضي، أي مدينة لبنانية - عربيّة - أوروبية - دولية منفتحة على كلّ ما هو حضاري في العالم. قاومت بيروت طويلا قبل سقوطها بالضربة القاضية في الرابع من أغسطس 2020.
معروف من يقف وراء جريمة تدمير بيروت. ستكشف ذلك المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي يفترض ان تصدر، من لاهاي، حكمها في جريمة اغتيال الحريري ورفاقه يوم الجمعة الواقع فيه السابع من الشهر الجاري.
ستسمّي المحكمة الأشخاص الذين نفّذوا الجريمة والذين ينتمون الى «حزب الله»، الذي ليس سوى لواء في «الحرس الثوري» الايراني.
ثمّة من يقول انّها ستذهب الى ابعد من ذلك وستسمّي الذين كانوا يوجهون المجموعة التي تولت تفجير موكب الحريري في 14 فبراير 2005 في مكان لا يبعد كثيرا عن مكان الانفجار الكبير الذي قضى على بيروت.
لم يعد سرّا من اغتال الحريري، كذلك ليس سرّا من حرّض على ذلك ولماذا يمكن ادراج الجريمة في اطار أوسع يتجاوز لبنان.
لكنّ ما يبدو ضرورياً الإضاءة عليه هو مقدمات اغتيال الحريري الذي لم يستطع العمل بحرّية سوى بين العامين 1992 و1998.
في 1992، شكّل الحريري حكومته الأولى وبدأت عمليا ورشة البناء والاعمار بالترافق مع تثبيت سعر الليرة. عاد العرب الى لبنان وعاد لبنان الى العرب... عاد الى البلد لبنانيون كان هجرّهم ميشال عون في 1988 و1989 و1990.
في 1998، مع انتخاب اميل لحّود رئيسا للجمهورية، بدأت الحرب السورية تقوى على الحريري. ما حصل في تلك السنة انّ بشّار الأسد صار يمسك بمفاصل السلطة في سورية في ضوء مرض والده.
كان بشّار في طبيعته معاديا لشخص الحريري وكان يتأثّر الى حد كبير بـ«حزب الله» والعداء الذي كان يكنّه مع آخرين للحريري، وهو عداء يعود في أساسه الى ارتباط الحزب بالمشروع التوسّعي الإيراني. يعني هذا المشروع بين ما يعنيه التخلّص من ايّ شخصية لبنانية تمتلك حيثية عربيّة ودولية.
امضى لحّود ولايته في قصر بعبدا في حرب على الحريري الذي عرف يكوّن قاعدة شعبية من جهة ويتحوّل الى زعيم وطني لبناني خارق للطوائف من جهة أخرى.
انتقل النظام السوري في النصف الثاني من العام 2003، بعد سقوط العراق والشروط الأميركية التي حملها كولن باول وزير الخارجية الأميركي وقتذاك الى الاسد، الى حرب مباشرة على الحريري.
صار النظام السوري خائفا من هاجس اسمه رفيق الحريري الذي وقف صراحة ضد تمديد ولاية اميل لحّود التي كان مفترضا ان تنتهي في 2004. بدأ الأسد يشعر، على الرغم من كلّ تطمينات الحريري، انّ لبنان بدأ يفلت منه.
قبل اشهر قليلة من صدور القرار الرقم 1559 عن مجلس الامن والذي تضمّن دعوة الى انسحاب الجيش السوري من لبنان والى حل ميليشيا «حزب الله»، اسوة بالميليشيات اللبنانية الأخرى التي سلمت سلاحها الى الدولة اللبنانية او أرسلتها الى خارج لبنان، هناك جلسة مهمّة حصلت بين الأسد والحريري.
استُدعي الحريري الى دمشق في ديسمبر 2003. وجد نفسه مع الرئيس السوري وثلاثة ضباط هم غازي كنعان، الذي كان مسؤولاً عن لبنان قبل استبداله، ورستم غزالة الذي حلّ مكانه، ومحمّد خلّوف الذي كان يشغل موقع المسؤول عن المراقبين السوريين في لبنان.
اصرّ الأسد على التعاطي بفظاظة ليس بعدها فظاظة وقلّة تهذيب مع الحريري. ذهب الى وصفه بـ«العميل».
سأله: كم عدد أيام الأسبوع التي تعمل فيها ضدّي وكم عدد الايّام التي تعمل فيها معي؟ طلب منه بلغة الامر بيع أسهمه بجريدة «النهار» (نحو 36 في المئة من اسهم الجريدة)، عدم التطرّق من قريب او بعبد الى ملفّ «بنك المدينة»، وهو مصرف مشبوه ارتبط بماهر الأسد والمجموعة القريبة منه وتورط في تبييض الأموال، والتوقف عن انتقاد التمديد لاميل لحود.
ابلغ الحريري أصدقاء له ان الأسد قال له حرفياً: ورقة التمديد لاميل لحّود ورقة في يدي. هل تريد ان تحرق هذه الورقة، أي ان تحرق اصابعي؟
ارتفع ضغط الحريري وبدأ ينزف من انفه. عاد الى بيروت مكسور الخاطر. عرف يومذاك ان العلاقة انكسرت نهائيا مع النظام السوري وان بشّار الأسد ليس حافظ الأسد.
كان طبيعيا ان تصل الأمور الى التخلّص من الحريري في مرحلة لاحقة، خصوصا بعدما شعرت ايران ان الاميركيين سلموها العراق على صحن من فضّة وانّه بات في استطاعتها ان يفعل ما يشاء في المنطقة من دون حسيب او رقيب.
كان الأسد مجرّد غطاء استخدم في عملية تغطية الجريمة. دفعه حقده على الحريري وعلى لبنان الذي كان يصفّه بالبلد «الهش» الى ارتكاب خطأ اخرجه من لبنان...
في حال لم يطرأ تغيير في اللحظة الأخيرة، سيصدر حكم المحكمة الدولية يوم الجمعة. هكذا يُفترض. بعد خمسة عشر عاما ونصف عام على اغتيال الحريري، يظلّ السؤال لماذا ارتكب الأسد ذلك الخطأ الذي كلّف سورية ولبنان غاليا. كلّفهما الكثير. مصير البلدين على المحكّ.
هناك عبارة شهيرة لجوزيف فوشي، احد وزراء الداخلية في عهد نابوليون. قال فوشي تعليقاً على اعدام معارض لنابوليون كان لاجئا في المانيا بدل التحقيق معه للحصول على معلومات معيّنة منه: «ما حصل كان أسوأ من جريمة، انّه خطأ».
كم كلّف هذا الخطأ النظام السوري، وسورية نفسها، غاليا... كم كلّف لبنان واللبنانيين؟