قيم ومبادئ

وصية بطرس الكبرى!

لم تعرف الأمة في تاريخها الطويل هذا الإقصاء للدين عن واقع الحياة، فقد سعت الدول الكبرى لإلغاء رابطة العالم الإسلامي وهي الشريعة، فمنذ أن اجتاح هولاكو بغداد عام 1600 م، جاء بقانون الياسق ولكنّه لم يفلح بمهمته، ثم تلاه نابليون 1798 م وحَمْلته على مصر، إلا أنَّ علماء الأزهر الشريف كانوا له بالمرصاد، ثم تَتَابع المدُّ الصليبي في بلاد الهند 1857 م، حيث احتلتها بريطانيا وأخذت تلاحق أحكام الشريعة في المحاكم فتلغيها حُكماً حُكماً، حتى طمست الشريعة عنها!
ومَكّنت (الهندوس) للحكم، وهكذا فعلوا باليمن حين أزاحوا المحاكم الشرعية وجاؤوا بالشيوعيين للحكم؟ ثم تَعالت الشعارات في أواخر القرن الثامن عشر، بأنّ تطبيق الشريعة يعني التأخر والرجعية والجمود!
وأنّه يجب أن تُطوى وتُلقى في سلة المهملات، حتى يتمكن المسلمون من اللحاق بركب النهضة الأوروبية؟ وقد تَلقّى هذه الصيحات المثقفون العرب والمحامون ورجال الأعمال، فصيغت الدساتير العربية ونصت على مزاحمة حكم الله، ولم يبخل أعداء الإسلام من إطلاق الألقاب الفخمة والعبارات الرنانة مثل الحريات وحقوق الإنسان، والمساواة والعدل لِيُتَمّموا استعبادهم لهم ولِيستجلبوا بهم غيرهم ممّن لم يقع في تأثير شُبهاتهم.
وللأسف كان لهم ما أرادوا حينما سيطروا على الجامعات ووسائل الإعلام، فتربت على هذا الفكر الانهزامي أجيال المسلمين، حتى وصل بنا الحال أن نقول لخالق البشر ربّ العزة والجلال، حكمك لا يصلح لمجتمعاتنا ولا لعصرنا ولا يُناسب حضارتنا، إنّما يصلح لنا قانون المدارس الفرنسي أو الأميركي!
فضاعتِ الهوية، وانماع الهدف وتصدّعتِ الكلمة بين الشعوب الإسلامية، فكان الشقاء والحرمان والأحقاد والذلُّ والتَّبعيّة، والتقليد للشرق والغرب لِمَن تَربّوا على زبالات الفكر، وفاتَهم أنّ أهل الحضارات العريقة كالفرس والهنادك والبربر وغيرهم تركوا حضارتهم حينما تعرفوا على الحضارة الإسلامية.
إن العالم اليوم يعيش في فراغ حقيقي، فالليبرالية التي بشروا بها الناس أفلست اليوم وازدادت الهوة بين الأغنياء والفقراء، والديانة اليهودية قامت على فكرة شعب الله المختار وكرّستِ العنصرية وازدرت جميع الأديان والبشر. والشيوعية ماتت في عقر دارها، وتركت وراءها إرثاً ثقيلاً وملايين البشر لا يعرفون مَن خلقهم ولماذا أتَوا إلى هذه الحياة؟ وهكذا طحنت البشرية بين المذاهب والطلاسم الفكرية المنحرفة.
لقد تكالب الأعداء على هذه الشريعة من كلّ جانب وأولهم القوم الذين بُعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم وهم العرب (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَ?ذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)، فمنهم مَن حمل لواء العلمانية والتغريب ، واعتبر (الدين أفيون الشعوب)، وهناك العدو الخارجي، فأصبح حال أكثر المسلمين الجهل بالدين، ولا يعلمون الإسلام، وإذا عرفوا من الإسلام شيئاً عرفوه ليس إسلاماً حقيقيّاً، بل منحرفاً عمّا كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء تجدهم يصبون جام غضبهم عن الأوضاع المُتردّية على الحكام فقط، وكأنهم لا يشملهم هذا اللوم!
كما أنَّهم خالفوا أحكام الإسلام حينما سلكوا سبيل تغيير هذا الوضع المُخزي المحيط بالمسلمين، بالطريقة التي تخالف طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وقعت الفتنة، وانشقّ المسلمون بعضهم عن بعض، واتسعتِ المشكلة حتى يصبح الخلاف بين الجماعات الإسلامية، مع أنّ طريق النصر واضح وسهل ولايحتاج إلى كلّ هذه الفوضى.
إنّ طريق النصر يبدأ من محاربة النفس وهذا من اتّخاذ الأسباب التي هي من تمام السنن الشرعية بعد السنن الكونية حتى يرفع ربنا عزوجل هذا الذلّ والهوان الذي أصابنا جميعاً (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
الخُلاصة:
بطرس أو بيتر العظيم حَوّلَ روسيا القيصرية إلى الإمبراطورية الروسية، أسّس مدينة بطرسبرغ 1672م، ووصى في آخر حياته بإقصاء الاسلام وإشعال الخلافات، وهناك جانبان متشابهان في حروب بطرس وما يفعله بوتين اليوم وهما الهدف المُعلن والهدف الخفيّ، فالمُعلن حماية الأقليات، والخفيّ هو المصالح وموضع قدم في المياه الدافئة.