قيم ومبادئ

ذَوَبان المعارضة

المعارضة كمفهوم وممارسة هي رفض القول أو العمل والمناقشة فيه، ومعناها الأعمّ (المقاومة لكل شيء)، وبالمفهوم الشعبي انتقاد حزب أو تيار أو فئة برلمانية لأعمال الحكومة والتصدي لها بإظهار عيوبها.
أمّا المعارضة في القانون، فإذا صدر الحكم بالإدانة لمتهم في جناية مع عدم حضوره، فإنّه تترتّب عليه آثار منها: حرمان المتهم من التصرف في أمواله أو إدارتها أو أن يرفع دعوى باسمه ويصبح الحكم سارياً، فيظلّ مُطارَداً في البلد الذي صدر فيه الحكم، أو في أي بلد آخر ينتقل إليه، فلايستطيع التخلص إلا إذا طعن عليه بالمعارضة، أو الاستئناف، ولا تقبل منه المعارضة إلا إذا قُبضَ عليه وأُدع السجن، بل إنّ ميعاد المعارضة أو الاستئناف لا يبدأ إلا من تاريخ القبض عليه، وهذا ما يوجبه القانون
والمعارضة مصطلح دخيل على الثقافة الإسلامية لاسيّما المفهوم الحديث السياسي، الذي يهدف للوصول للسلطة، والإسلام لا ينبذ فكرة المراجعة والمناقشة بين وليّ الأمر وبين أهل الشورى وأهل الحل والعقد.
فلقد تواترت السوابق التاريخية في هذه المراجعات ولكنها كانت مُنضبطة بضوابط فهم الدين وضوابط القيم والثوابت المجتمعية، ومن ذلك مراجعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم في بنود صلح الحديبية، فقد قال:
ألَسْنا على الحق؟ وعدونا على الباطل؟
فَلِمَ نُعطي الدَّنية من ديننا؟
فقال صلى الله عليه وسلم: إنّي رسول الله ولستُ أعصيه، وهو ناصري.
والشاهد هنا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يعترض على مُعارضة عمر رضي الله عنه، وإنّما بَيّنَ أنّ هذا الصُلح خيرٌ للإسلام والمسلمين، رغم سيطرة المشركين على البيت الحرام والكعبة المشرفة!
وفي قسمة الغنائم (هوزان وغطفان)، اعترض بعض الأنصار على القسمة فجمعهم الرسول صلى الله عليه وسلم وبَيّن لهم صواب فِعله حتى رَضوا جميعاً.
ولمّا نَزَل في بدر راجعه الصحابة رضي الله عنهم لماذا نزل في هذا المنزل في أرض المعركة، فقال: إنّما هو الرأي فقط، فأخبروه أنّ الأفضل النزول في أدنى بدر، وتغطية كافّة الآبار حتى يشرب المسلمون منها ولا يتمكّن الكفار من الماء، فوافقهم بعد المراجعة.
فإذن الإسلام لم ينبذ فكرة المراجعة طالما كانت في حدود النظام العام، أمّا إذا تعدّتِ الحدود واستهدفت تقويض أركان الدولة وهدم النظام، لِتحلّ الفوضى محلّها.
فإنّ ذلكَ يعدّ عدوانا، يلزم تحجيمه والقضاء عليه حفاظاً على الجماعة والمصالح العامة للمسلمين.
وفي عهد الخلفاء الراشدين اعترض ابن مسعود رضي الله عنه على مسلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما حبس أرض السواد في العراق والشام ومصر، وأوقفها على بيت مال المسلمين ولم يوزّعها على المجاهدين، حتى اقتنع الصحابة بهذا النهج الجديد الذي لم يكن لهم به سابق معرفة.
كما أنّه حصلت سوابق تاريخية في صدر الإسلام الذي انحرفت فيه صور للمعارضة السياسية المخالفة لهدي السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاستهدفت لمصالحها الخاصة نظام الحكم أو رئيس الدولة، مثلما اعترض ذو الخويصرة التميمي على النبي صلى الله عليه وسلم واتّهمه بأنّه لم يعدل بقسمة الأموال بين الناس!
فأنكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المسلك وأخبر بأنّ هذا الرجل سيكون مقدمة لأجيال تأتي بعده لايعرفون الإسلام إلا شكلاً، وسيفتنون المسلمين في دينهم ، مثلما اعترض الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في قضية التحكيم.
وعليه نقول بأنّ الإسلام لا يسمح بمعارضة تستهدف النيل من النظام العام كما لا يجوز للإرادة الشعبية الخروج عن الإطار العام الذي رَسَمه القانون لا في تنظيمها ولا في أفكارها، لأنّ هذا الإطار مُحدّد بنصوص شرعية يجب الوقوف عندها فيما أحبّ الإنسان أو كَرِه ، والعُسر واليُسر إلى هذا الجانب نجد.الإسلام أوجب المشاوره وجعلها أساس الحكم، فهي تُؤدي إلى تقليب وجوه الرأي لاستخراج أفضل الحلول والبرامج لتحقيق المشاركة الشعبية، منعاً للاستبداد والاستئثار بالسلطة، فهل نَعي هذا!

الخُلاصة:
النظام الإسلامي لم ولن يُعرف بالتعددية الحزبية في صورتها المُعاصِرة، وهي تختلف تماماً عن التعددية الفقهية للمدارس التي دارت عليها قواعد الشريعة وبَرَز فيها الأئمة الكبار كالشافعي وأحمد ومالك وأبي حنيفة.