قيم ومبادئ

شنسوي!

يتردّد هذا السؤال غالباً في الدواوين والمجامع، بعد استعراض المتحدثين بشكل عام عن وضع البلد، وتحديداً إذا دار الحديث عن التجاوزات وغسل الأموال والسرقات والمناقصات والصفقات لشراء الأصوات.
فتسمع هذا الجواب التقليدي بعد قولهم (إي ندري بس شنو تبينا نسوي)! وهنا في هذا المقال اليوم سنقول للجميع شنو نسوي.
في البداية يجب تأكيد أنَّ الكلام المُرسل لا يُعوّل عليه، ما لم تقم عليه البيّنة، لأنَّ القاعدة تقول: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى رجالٌ أموالَ قوم ودماءهم، لكنِ البيّنة على المُدّعي واليمين على مَن أنكر).
بهذه الطريقة تنضبط الأمور وتستقيم.
وعلى هذا الأساس الشرعي والدستوري نقول لكلّ مَن رأى منكم منكراً وجب عليه العمل على إزالته أو تخفيفه، إن لم يتمكّن من إزالته بالكلّية. ولكن كيف؟
نقول من خلال القنوات المشروعة التي رسمها القانون، وكم من إنسان سَلَكَ هذا المسلك مع الإخلاص لله تعالى، فسهّل الله له طريق الخير، ومنع طريق الشر والباطل، وكم من إنسان خالَف الطريق المشروع فانعكس الأمر عليه وانقطع عن مواصلة السير.
والحقيقه الكبرى ارتباط هذه الأمة بمكافحة الباطل، قال تعالى:
«كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...».
فكان هذا سبب خَيرِيَّتها بين الأمم، وإنكار المنكر على درجات ثلاث، أولها إزالته بالكُلية، وثانيها تغييره باللسان، وثالثها بالقلب ما لم يمكن إزالته ولا التأثير عليه باللسان، ولا مجال لإزالته لصعوبته، فلا نملك حِياله إلا الإنكار بالقلب وذلك أضعف الإيمان.
والأمانة تقتضي من الجميع القيام في هذه الثلاثة، بحسب طبيعة المنكر، وبحسب طبيعة كلّ إنسان وقدراته، والحذر كلّ الحذر من التفريط بهذا الواجب ولا يكلّف الله نفساً إلا وسعها، فالرسول صلى الله عليه وسلم أحياناً كان يُنكر عَلناً، وأحياناً يقول ما بالُ أقوام يفعلون كذا، أو يقولون كذا وكذا، كلّ ذلك بحسب ما تقتضيه الحال والمصلحة الشرعية، فإذا عجز الإنسان عن المرتبة الأولى وهي الإنكار باليد - حسب الطرق المشروعة - وجب أن يغيره باللسان، وإذا عجز عن ذلك، فإنّه لا يُعفى مُطلقاً عن الإنكار بالقلب، وهي واجبة على كلّ أحد ولا يُعفى منها أحد، لأنَّها مسألة قلبية لا يُتصوّر الإكراه على تركها، أو العجز عن فعلها.
وإذا ضاع العمل به عَمّتِ المنكرات وشاع الفساد واستعلى الشرّ وانحسر الخيرُ وأهله، عندها تعمّ العقوبات والغضب من الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم قد ولّى جميع الأمة إذا رأت منكراً أن تُغيّره، ولا يحتاج أنّ نقول لا بد أن يكون عنده وظيفة، فإذا قيل مَن الذي أمَرَك أو وَلَّاك؟
نقول له: النبي صلى الله عليه وسلم، لأنّه قال مَن رأى منكم منكراً فلْيغيره.
ولا يجوز إنكار المنكر حتى تتيقن أنَّه منكر، والثاني لا بد أن يتحقق أنّه منكر في حقّ الفاعل، لأنّ الشيء قد يكون منكراً في ذاته، لكنّه ليس مُنكراً في حقّ الفاعل، مثل الأكل والشرب في نهار رمضان للمريض أو المسافر، كما أنّ المنكر لا بد أن يكون منكراً عند الجميع، وليس من باب المسائل الاجتهادية، أو الخلافية، فإنّه لا يُنكر على من لا يرى أنّه منكر، إلا إذا كان الخلاف ضعيفاً لا قيمة له.
والقاعدة العامة في الشريعة أن الوجوب مقرون بالاستطاعة، فإذا انتفتِ القدرة، انتفى الوجوب فلا واجب من عجز.
وهذه قاعدة مهمة قد تغيب عن أذهان البعض خصوصاً مَن يأخذه الحماس والغيرة على البلد، أو يبالغ بتضخيم الفساد في الكويت وينسى الأكثر وهم الشرفاء فينطلق مُسرعاً يريد التغيير لكلّ شيء في وقت واحد، فيقع في المحظور، ويزداد الشرّ بدل أن يخفّ، بسبب تهوّره وعدم تقيّده بالقواعد التي قرّرها أهل العلم.
الخُلاصة:
قال تعالى: «وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى? فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ».